EN
سيتم بمشئية الله تعالى إضافة تفريغ جميع الخطب المنشورة في الموقع، ويتم التحديث تدريجيا
الراغبون إلى الله تعالى

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}.

أمَّا بعد:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذنا الله وإياكم وجميع المسلمين والمسلمات من النار.

أيها الناس:

يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}.

ختم الله عز وجل هذه السورة العظيمة، التي تشتمل على معانٍ عظيمة وأحكام جليلة وبشارات ونذارات وأوامر ونواهٍ، بقوله جل شأنه: {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}؛ قال الزجاج رحمه الله، كما حكاه غير واحد من المفسرين: ارغب إلى ربك جل وعلا في جميع شؤونك، ولا ترغب إلى أحد سواه. وقال أبو محمد ابن عطية: هذا أمر من الله عز وجل بالتوكل على الله تبارك وتعالى، وعدم الرغبة في أي أمر من الأمور إلى أحد سواه. وقال جماعات من أهل التفسير: هذا أمر من الله بالرغبة إلى الله عز وجل في الأعمال الصالحات المباركات الطيبات. {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} بتحقيق الصلاة التي هي قرة عين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى أبو داود أنه قال عليه الصلاة والسلام: «أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ»؛ فالصلاة راحة المؤمن، يرغب إلى الله عز وجل بها، ويطمئن فيها، ويسكن قلبه إليها.

ارغب إلى الله عزوجل ببذل المعروف، والصدقة، والإحسان إلى من أمر الله بالإحسان إليهم؛ هذا عمل أهل التقى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسُوفَ يَرْضَى}. وقد حكى غير واحد من المفسرين الإجماع على أن هذه الآية في أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، صاحب البذل والمعروف والصدقات الكثيرة، الصديق، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ارغب إلى ربك في تلاوة القرآن والعناية به، وزيادة الإيمان والانتفاع بقراءته وتلاوته وتدبره والتأمل فيه، في كلام الله جل وعلا، وقد قال الله عز وجل: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ}؛ قال عبد الله بن عمر: هذه والله في عثمان رضي الله عنه وأرضاه. قال الإمام ابن كثير: وإنما قال ابن عمر رضي الله عنهما إنها في عثمان لكثرة تلاوته ورغبته إلى ربه وصلاته بالليل، وقد كان ربما قرأ القرآن كله في ركعة، انتهى كلامه رحمه الله.

 وقد ثبت عن عثمان ذلك؛ أنه ربما قرأ القرآن، يرغب إلى ربه، في ركعة واحدة. وكم في السنة المطهرة من بيان رغبة نبينا عليه الصلاة والسلام إلى ربه بالقرآن؛ يقرأ الجزء والجزأين والثلاثة والأربعة والستة في الركعة الواحدة، حتى إنهم يسمعون لصدره أزيزاً كأزيز المرجل.

ارغب إلى ربك بالذكر والتسبيح والتحميد والتهليل والحوقلة، والعناية بذكر الله سبحانه وتعالى؛ وقد جاء الراغب إلى ربه إلى النبي عليه الصلاة والسلام يطلب وصية، فقال: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ»، «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ».

 

ارغب إلى الله بالأعمال الصالحات، بالأعمال المباركات، وكم في القرآن والسنة من ذكر قوافل الراغبين إلى الله، وتعداد النماذج المباركة الصالحة في الراغبين إلى الله عز وجل.

هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام قام أمة وحده ينهى عن الشرك، تبرأ منهم ومن آلهتهم، وغضب غضبة لله فكسر آلهتهم وجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم، فغضبوا غضباً شديداً وبنوا له بنياناً وأججوا النيران وقالوا: ألقوه في الجحيم؛ أرادوا به كيداً فجعلهم الله الأخسرين والأسفلين، وجعل الله عليه النار برداً وسلاماً.

ومن نماذج الراغبين إلى الله عز وجل، الباذلين لأنفسهم رخيصة في سبيل الله، إسماعيل عليه السلام؛ لما بلغ مع أبيه السعي {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} -ما بقي إلا أن يذبح- {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}.

ومن قوافل الراغبين إلى الله عز وجل، سيد الأولين والآخرين والراغبين إلى الله عليه الصلاة والسلام؛ فإن قومه آذوه وضربوه وردوا دعوته عليه، وأنزل الله عليه ملك الجبال، إن شاء أن يطبق عليهم الجبال فعل، قال: «أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يُوَحِّدُ اللَّهَ»؛ رغبة إلى الله بالدعوة والرفق ومحبة الخير للناس وللمدعوين.

وفي البخاري أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلَّا خُيِّرَ»؛ قالت: ولما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عليه الصلاة والسلام رأسه إلى فخذ عائشة رضي الله عنها، قالت: فغشي عليه ساعة ثم أفاق، فشخص بصره إلى السماء ثم قال: «بَلِ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى، اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى»، {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}؛ قالت: فعلمت أنه لا يختارنا بالرفيق الأعلى.

ومن نماذج الراغبين إلى الله عز وجل، أبو الدحداح وزوجه رضي الله عنهما وأرضاهما؛ ففي المسند وهو في الجامع الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار قال: يا رسول الله، إن لفلان نخلة لا أقوم على حائطي إلا بها، فمُره أن يعطيني إياها؛ فشفع النبي عليه الصلاة والسلام فيها وقال: «أَعْطِهِ النَّخْلَةَ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ»؛ هذه بشارة بالجنة، فأبى وهو حقه وماله، فذهب إليه أبو الدحداح فقال: أتبيعني النخلة بحائطي؟ -حائط من نخل- قال: نعم، ففعل؛ فأتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله، إني ابتعت النخلة بحائطي فهي لك، فهبها لذلك الصحابي، فقال عليه الصلاة والسلام: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ رَدَاحٍ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ». وأتى زوجه فقال: اخرجي من الحائط فقد ابتعناه من الله، قالت: ربح البيع.

ومن نماذج الراغبين إلى الله عز وجل، بلال رضي الله عنه وأرضاه؛ ففي المسند وهو في الجامع الصحيح، أن الذين أسلموا، أول من أسلم: رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنعه الله بعمه أبي طالب، وأبو بكر ومنعه الله عز وجل بعشيرته، وبلال وصهيب وعمار وأمه سمية وبلال، قال: فأخذوا الضعفاء فعذبوهم، فما منهم إلا وأتى المشركين إلا بلال رضي الله عنه وأرضاه؛ فكانوا يعذبونه ويقيمونه في حر الشمس ويجلدونه وهو لا يزيد على: أحد أحد، لا يزيد على: أحد أحد؛ رغب إلى الله عز وجل فما بالى بإجحافل الظالمين.

وهذا الإمام أحمد رحمة الله عليه، تجمعت عليه الخلفاء ودعاة وعلماء السوء، وأمروه أن يجيب في الفتنة والمحنة ويقول: القرآن مخلوق، فأبى وقال: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود، يريدون أن يبدلوا كلام الله، فأجيروه حتى يسمع كلام الله؛ فكانوا يجلدونه جلداً عظيماً ويختارون يوم الاثنين يوم صيامه، فربما جلد ثلاثمائة جلدة متتابعة وهو صائم، سنة وسنتان سنوات تمر على هذا الحال في القيد وفي الجلد. جاءه بعض أهل الحديث يذاكرونه في أدلة التعريض والإجابة عند الاضطرار، قال: عرضت نفسي على السيف وعلى النار، فما وجدت نفسي أصبر على النار، القرآن كلام الله، وكانت العاقبة له وهو يدعى إمام أهل السنة والجماعة، {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}.

ومن نماذج الراغبين إلى الله عز وجل، أنس بن النضر رضي الله عنه وأرضاه؛ ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس عن بدر فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، غبت عن أول مشهد شهدته، ولئن ألقى المشركين ليرين الله ما أصنع؛ فلما كان يوم أحد وانكشف بعض المسلمين قال: اللهم أعتذر إليك مما فعل هؤلاء، ولما اشتدت هجمة المشركين وأذاهم قال: اللهم أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء، ثم انغمس في المشركين فتلقاه سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: أين تريد؟ قال: الجنة يا معاذ ورب النضر، إني لأجد ريحها دون أحد؛ قال: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: وجدناه بعد المعركة في نحو من ثمانين بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم، ما عرفه أحد منا إلا أخته ببنانه، وكنا نظن أن قول الله عز وجل نزل فيه وفي أشباهه من المؤمنين: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمَنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}.

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين وسيد الغر المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أيها الناس، من نماذج الراغبين إلى الله عز وجل ذلكم البار بوالديه، الذي كان يعمل نهاره كله في الشمس وفي الأرض، فراح متأخراً على والديه وكان يحلب لهما غنمهما كل ليلة كما في الصحيحين وأيضاً في المسند وهوفي الجامع الصحيح، وكان لا يسقي ولا يغبق قبلهما أهلاً ولا ولداً، فراح عليهما متأخراً كان في أرضه وماشيته وقد ناما، قال: فكرهت أن أوقظهما وهما شيخان كبيران، والكبير بالسن إذا استيقظ من نومه يصعب عليه أن يرجع إليه النوم، كرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً أو ولداً، وكرهت أن أنصرف فيستيقظا وهو غير موجود، قال: فقمت والقدح في يدي أنتظر أن يستيقظا حتى برق الفجر، حتى برق الفجر بعد تعب النهار في الليل مع بر لوالديه لم ينم ولم يقعد ينتظر استيقاظهما؛ ولما كان مع صاحبيه في الغار قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة؛ هكذا الراغبون إلى الله في برهم لوالديهم، هكذا الراغبون إلى الله في إحسانهم لجيرانهم، هكذا الراغبون إلى الله في صلتهم لأرحامهم في إحسانهم إلى المسلمين.

ومن نماذج الراغبين إلى الله، عمير بن الحمام رضي الله عنه وأرضاه؛ ففي صحيح الإمام مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام لما دنا المشركون يوم بدر قال: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ»؛ فقال عمير رضي الله عنه: بخٍ بخٍ، عرضها السماوات والأرض؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: «مَا حَمَلَكَ عَلَى كَلِمَتِكَ هَذِهِ؟» قال: لا يا رسول الله، إلا أني أرجو أن أكون من أهلها، قال عليه الصلاة والسلام: «فَأَنْتَ مِنْ أَهْلِهَا»؛ فأخرج تمرات من قرنه ثم قال: لئن عشت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، فرمى بها وقاتل المشركين رضي الله عنه وأرضاه، باع نفسه من الله ورغب إلى الله عز وجل كما رغب إليه غيره من الصالحين.

وهكذا من تلك النماذج العظيمة وما أكثرها، الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم؛ ففي المسند وهو في الجامع الصحيح، أنهم قالوا وقد تعبوا من النزع والعمل: لو أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا الله أن يفجر لنا عيناً من هذه الجبال، من جبل من هذه الجبال؛ فأتوا رسول الله بجماعتهم هكذا في الرواية في ساعة لا يأتونه فيها، فقال: «مَرْحَبَاً وَأَهْلَاً، مَا جَاءَ بِكُمْ إِلَّا حَاجَةٌ؟» قالوا: إي والله يا رسول الله، جئنا لحاجة، قال: «أَبْشِرُوا، فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونِي شَيْئَاً إِلَّا أُوتِيتُمُوهُ، وَلَا أَسْأَلُ اللَّهَ الْيَوْمَ شَيْئَاً إِلَّا أَعْطَانِيهُ»؛ فراجع بعضهم بعضاً قالوا: الدنيا تريدون؟ اطلبوا من رسول الله أن يدعو الله لكم بالمغفرة والجنة، فطلبوا منه، فقال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ».

هكذا الرغبة إلى الله؛ ارغب أيها المسلم إلى الله، ارغب إلى القرآن، ارغب إلى الحديث. بوّب الإمام البخاري في صحيحه باب الرحلة في طلب الحديث، أو قال العلم، ورحل جابر بن عبد الله شهراً إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد في الفيافي والقفار، في الليل والنهار يبيت تحت الأشجار في الحر والقر مع حالته شهراً كاملاً، ليله ونهاره يمشي ليسمع حديثاً واحداً، حديث القصاص المشهور المعروف. وذكر في الباب قصة موسى عليه الصلاة والسلام لما رحل إلى الخضر عليه الصلاة والسلام لطلب العلم وقال لفتاه: {لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} أحقاباً يصير سنوات؛ ولما وصل إليه قال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}. لست مطالباً أن ترحل للشهور والسنين والأسابيع والأيام بل ولا الساعات، اركب قليلاً واسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، احضر حلقة علم رطب قلبك لين قلبك بكلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}؛ هذا للمشغول فكيف للذي لا شغل ولا مشغلة مع الكرة أو مع التلفاز، لا تجارة ولا بيع ولا أعمال ولا علم ولا عمل، نسأل الله السلامة والعافية، {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}، {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}، لا تترك الوقت يذهب عليك سدى، أنت عبد لله عز وجل، استغل أوقاتك في طاعة الله عز وجل؛ رفعة في الدرجات، بياض في الوجه، رفقة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

نسأل الله جل وعلا بمنّه وكرمه وجوده وإحسانه أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم إنا نعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة، اللهم أصلح أحوال المسلمين والمسلمات في هذا البلد خاصة، اللهم من أرادنا وأمننا وديننا وخيراتنا وأخوتنا بسوء فاجعل السوء يحيط به من كل جانب، واجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم قوّ قلوب العباد لقتال الرافضة الأوغاد، اللهم أنزل بأسك ورجزك على اليهود والنصارى والرافضة يا قوي يا متين، والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.