EN
سيتم بمشئية الله تعالى إضافة تفريغ جميع الخطب المنشورة في الموقع، ويتم التحديث تدريجيا
وما بدلوا تبديلا

ألقيت الخطبة بتاريخ 20 / رجب / 1447

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

أما بعد

فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذني الله وإياكم وجميع المسلمين والمسلمات من النار.

أيها الناس، أثنى الله عز وجل على المؤمنين الثابتين على دينهم، المرابطين على طاعة رسولهم صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}.

وذلك لأن التبديل من الإسلام إلى الكفر، ومن الإيمان إلى النفاق، ومن الطاعة إلى المعصية، ومن الخير إلى الشر، ومن الهدى إلى الضلالة نذير عقاب أليم من الله جل وعلا؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. وقال الله عز وجل في سورة الرعد: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ}. فما بال أقوام اشتروا الضلالة بالهدى، والبدعة بالسنة، والمعصية بالطاعة؟ والله المستعان! أرادوا الدون على ما اختاره الله عز وجل لهم من الدين والرسالة والهدى والبيان والخير وتقوى الله جل وعلا.

إن عقاب الله ينال من بدل مهما كان وكيفما كان؛ أخرج الإمام البخاري في "خلق أفعال العباد" وهو في "الجامع الصحيح" عن مالك بن نضلة رضي الله عنه وأرضاه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فلما رآني صعد في النظر وصوبه، فقلت: إلى ما تدعو وعم تنهى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا شيء إلا الله والرحم»؛ يعني يدعو إلى توحيد الله وينهى عن الشرك به ويأمر بمحاسن الأخلاق، «إلا الله والرحم». ثم قال لي: «أتتني رسالة من ربي فضقت بها ذرعاً، وعلمت أن الناس سيكذبونني، فقيل لي: لتفعلن أو ليفعلن بك، لتفعلن أو ليفعلن بك». {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبِطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}.

وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في حديث طويل في شأن حوض النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فيجاء برجال فيحال دونهم، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؛ فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي». وفي لفظ في الصحيح: «سحقاً سحقاً لمن غير وبدل، لمن غير وبدل»

 عرَف الهدى ثم أنكره، وعرف الطاعة ثم أنكرها، وعرف الهدى ثم حاربه، نعوذ بالله من الخذلان.

وفي الصحيحين في حديث طويل أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه قال: "ما علمت شيئاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمله إلا عملت به؛ إني أخشى إن تركت شيئاً عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أزيغ، إني أخشى إن تركت شيئاً أن أزيغ". {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}.

============

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

من نماذج التبديل: تبديل اتباع هدى الرحمن بخطوات الشيطان، يتبع خطوات الشيطان؛ قال الله: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِظَّالِمِينَ بَدَلًا}.

ومن نماذجه: ترك العلم والهدى والسنة والخير الذي قد عرفه؛ ترك الحديث وما دل عليه، والآية وما أمرت به، وقد علم مدلولها وخيرها وعملها وما فيها من البيان والهدى والرشد والصلاح والسعادة والفلاح والنجاح، ويذهب إلى غيرها متبعاً لخطوات الشيطان. وقد ضرب الله عز وجل لأهل هذا الصنف بأبشع مثل في كتابه الكريم فقال سبحانه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}؛ {أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمِثَلِ الْكَلْبِ}، {فَمَثَلُهُ كَمِثَلِ الْكَلْبِ}. وقال الله عز وجل: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}.

يستبدل الطاعة بالمعصية؛ يستبدل الأعراس المباحة بالأغاني والأهازيج والسهر فيما يغضب الله عز وجل

يستبدل السنة في عبادته في صلاته في صيامه في دخوله وخروجه بالبدعة ومخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم. كانوا على خير وهدى في أفراحهم وفي أتراحهم، فتركوا ما علموا من الهدى والخير وجعلوا يفعلون ما علموا أنه معصية لله جل وعلا.

{وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}. والنعمة يدخل فيها القرآن والسنة والأرزاق والولد وكل نعمة أنعم الله جل وعلا بها عليك. {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ}.

أنعم الله علينا بنعمة رابطة الإسلام: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} من أقصى الأرض إلى أقصاها؛ أيستبدل بهذه الرابطة العظيمة (الإسلام والإيمان) برابطة العصبية والمناطقية والقبلية ولون البشرة؟ هذا خذلان نعوذ بالله منه.

وهكذا يعطيه الله من الولد ليعبدوا الله عز وجل وليقيموا دين الله؛ نعمة عظيمة الولد، فيسلمهم لأهل الأهواء فيكون حطباً للفتن والعياذ بالله. {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ}. {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا}. وقال الله: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.

هل تستبدل الجليس الصالح بالجليس السوء؟ هل تستبدل بتلاوة القرآن سماع الأغاني؟ أتستبدل السواك بالدخان؟ أتستبدل الطاعة والصلوات الخمس في جماعة المسلمين بتركها أو بتأخيرها عن أوقاتها؟ هذا باب العذاب والخذلان، نعوذ بالله من ذلك. {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}.

نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لكل خير، وأن يدفع عنا وعنكم وعن جميع المسلمين كل فتنة وشر وغير. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء؛ أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة، وأصلح أحوال المسلمين والمسلمات في هذا البلد خاصة يا رب العالمين. اللهم من أرادنا وبلادنا وخيراتنا وديننا بسوء فاجعل تدبيره تدميرا عليه، واجعل السوء يحيط به من كل جانب يا قوي يا متين. والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين.