EN
سيتم بمشئية الله تعالى إضافة تفريغ جميع الخطب المنشورة في الموقع، ويتم التحديث تدريجيا
سبيل النجاة في الإكثار من عبادة الله

ألقيت بتاريخ 13 / 7 / 1447

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

 

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذني الله وإياكم وجميع المسلمين والمسلمات من النار.

 

أيها الناس، أمر الله عز وجل في كتابه الكريم بالإكثار من ذكره جل وعلا، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}، {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}. وقال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. وهكذا جاء في السنة عن نبينا عليه الصلاة والسلام الإرشاد إلى كثرة الذكر من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والحوقلة؛ ففي الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام رغب المسلم أن يقول مئة مرة وأن يزيد: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»، وأن يقول: «سبحان الله وبحمده»، و«لا حول ولا قوة إلا بالله» كنز من كنوز الجنة، و«سبحان الله والحمد لله» تملآن ما بين السماء والأرض. في أحاديث كثيرة كلها تدل على الترغيب في الإكثار من ذكر الله جل وعلا؛ فإنه مطردة للشيطان وحفظ من الله جل وعلا للعبد المسلم من كل الأضرار والآفات والشرور بإذن الله جل وعلا، هو حصن المسلم والمسلمة الحصين.

 

وهكذا مما ورد في الشريعة المطهرة من الإكثار منه: الإكثار من التوبة والاستغفار. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهَ تَوْبَةً نَصُوحًا}. وفي الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة». ومن حديث ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يعدون له في المجلس الواحد: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور» مئة مرة وأكثر، يقول عليه الصلاة والسلام: «رب اغفر لي وتب علي». وفي الصحيح عن الأغر بن يسار رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة». وفي حديث أبي هريرة: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»؛ هذا من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام. وفي الصحيح عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها». وإذا علمنا يقيناً أنا نسيء ونذنب في الليل والنهار، كان واجباً علينا أن نتوب إلى الله جل وعلا في الليل والنهار. وروى عبد الله بن بسر وهو عند ابن ماجه وهو في الجامع الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً».

 

ومما ورد في الشريعة المطهرة الأمر بالإكثار منه: الصلاة والسلام على نبينا محمد أزكى البرية وخير البشرية صلى الله عليه وسلم. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. ولا سيما في يوم الجمعة ونهار الجمعة، فقد جاء من طرق وهو في الصحيحة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً».

 

وهكذا جاء الأمر بالإكثار من التهليل: «أكثروا» أو قال «استكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها». وقال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الذكر لا إله إلا الله». وكان أكثر أو من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في أفضل يوم في صعيد عرفات: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». وقال: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً إلى يوم الدين.

 

أما بعد: أيها الناس، مما جاءت الشريعة المطهرة بالإكثار منه: السجود لله جل وعلا. ففي صحيح مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحب العمل إلى الله عز وجل، قال عليه الصلاة والسلام: «عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة». وفي صحيح مسلم عن ربيعة بن كعب رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: كنت أبيت فآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوئه وحاجته، قال فأتيتُه ليلة أو يوماً بوضوئه وحاجته، فقلت له أو فقال لي: «سل». قال: أسأل مرافقتك في الجنة. قال: «وغير ذاك؟» قال: هو ذاك. قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود».

أأبيت سهران الدجى وتبيته ... نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي؟

أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالإكثار من السجود لله جل وعلا، وقد امتدح الله جل وعلا عباد الرحمن فقال: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}. وامتدح الله أهل الألباب من المؤمنين فقال: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.

 

ومما وردت الشريعة بالإكثار منه العبادة: الإكثار من العبادة في زمن الهرج والفتن. ففي مسلم عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «العبادة في الهرج كهجرة إليّ». والهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عصمة وأمان من الفتن بإذن الله، وعصمة وأمان من الشرك وشبهات وشهوات، ورفعة في الدرجات، ومرافقة لأزكى البريات عليه الصلاة والسلام. فالعبادة في الهرج والإكثار منها من أعظم ما يعصم المسلم بإذن الله جل وعلا من الفتن. وإذا علمنا أن الفتن كمواقع القطر وكالليل في ظلمته المدلهمة، علمنا أنه ينبغي علينا أن نكثر من العبادة في أوقات الفتن وأزمان الفتن.

 

وهكذا مما وردت الشريعة بالأمر بالإكثار منه: الدعاء. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له في الدنيا، وإما أن تدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء بقدرها». قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم: إذن يا رسول الله نكثر؟ (أي من الدعاء)، قال: «الله أكثر». قالوا: إذن نكثر؟ قال: «الله أكثر». الله أكبر!

 

وجاء من حديث أنس وأبي هريرة وربيعة بن عامر وهو في الصحيحة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام»؛ أي الزموا وأكثروا وكرروا هذا الدعاء العظيم: يا ذا الجلال والإكرام. أقبلوا على الدعاء عباد الله. وفي الصحيح صحيح البخاري عن أنس قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». أكثر دعاء النبي عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء العظيم. وجاء في المسند عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سئلت عن أكثر دعاء النبي عليه الصلاة والسلام عندها، قالت: كان أكثر دعائه عليه الصلاة والسلام: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».

 

نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وإحسانه أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيراً. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك اللهم من النار وما قرب إليها من قول وعمل. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة، وأصلح أحوال المسلمين في هذا البلد خاصة يا رب العالمين. اللهم من أرادنا وبلادنا وخيراتنا ودعوتنا وديننا بسوء فاجعل السوء يحيط به من كل جانب يا قوي يا متين. والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين.