EN
سيتم بمشئية الله تعالى إضافة تفريغ جميع الخطب المنشورة في الموقع، ويتم التحديث تدريجيا
احفظ كلمتك

ألقيت بتاريخ 6/ 7 / 1447

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذني الله وإياكم وجميع المسلمين والمسلمات من النار.

 

أيها المسلم، احفظ لسانك؛ أيها المؤمن، احفظ كلمتك؛ فربنا جل وعلا يقول في كتابه الكريم: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}. وهذا اللفظ نص في العموم عند أهل الأصول وأهل اللغة، فدخل فيه كل قول. وذهب طائفة كثيرة من السلف والخلف إلى أن كلام العبد يكتب، جميع كلام العبد، وأنه له أو عليه. وتأيد هذا بأدلة كثيرة؛ فمن ذلك ما أخرج الترمذي في الجامع عن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «كف عليك هذا» وأشار إلى لسانه. قال: يا رسول الله، أومؤاخذون بما نقول؟ قال: «ثكلتك أمك! وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟».

وعند ابن ماجه وأبي داود وغيرهما عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ -وتأمل في هذا السؤال اللبيب من رجل فاضل لبيب رضي الله عنه وأرضاه، ما أخوف ما تخاف علي؟- قال: فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه وقال: «هذا». ولهذا أخرج ابن أبي شيبة والطبراني بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "والذي لا إله غيره، ما من شيء على وجه الأرض أحوج إلى طول سجن من لسان".

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»؛ فجعلها قسمين: قل خيراً تغنم، أو اصمت تسلم.

وفي الصحيحين عن أبي شريح الخزاعي بنحوه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت».

وفي السنن عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا -قال الراوي: تعني قصيرة- قال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته». كلمة واحدة عباد الله!

ولهذا قال الله عز وجل: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}. فرب كلمة أوبقت على العبد دنياه وأخراه؛ كما ثبت من حديث جندب، وجاء عن غيره أن رجلاً وكان فيه صلاح وعبادة ونسك، قال لآخر وكان فيه تفريط، قال له -معجباً بعمله ومتألياً على الله-: "والله لا يغفر الله لك" أو "قال لفلان" على الروايتين في الحديثين، فقال الله عز وجل: «أكنت بي عالماً؟ أم كنت على ما في يدي قادراً؟ من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ قد غفرت له وأحبطت عملك». قال أبو هريرة: "والذي نفسي بيده لقال كلمة أوبقت عليه دنياه وآخرته".

كلمة أيها المسلم!

قال فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى. وقال قارون: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}، قال الله: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ}.

كلمة أيها المسلم!

{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ}.

وقال عن كلمة المنافقين: "ما رأينا أجبن عند لقاء ولا أرغب بطوناً من أصحابنا هؤلاء"؛ كلمة قالوها يعنون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}.

في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب»، ولفظ البخاري: «يزل بها في النار».

في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً»؛ لا يلقي لها بالاً، لا يعطيها حقها من الضبط والتأمل والتدبر والتفكر، كلمة تخرج من فيه ربما أهلكته وأوجبت له غضب الله عز وجل إلى يوم يلقاه، وهذا قد قاله رسولنا عليه الصلاة والسلام.

وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة، وبنحوه عن أبي سعيد رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها ليضحك القوم». وفي الحديث الآخر: «ليتكلم بالكلمة ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يضحك بها جلساءه، يهوي بها أبعد من الثريا». وثبت من حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة رضي الله عنه عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك القوم، ويل له ثم ويل له».

====================

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "وإن أسهل الجوارح عملاً اللسان، وهو أخطرها وأشدها فتكاً بصاحبها. وإنك لترى الرجل يتورع عن كبائر البطون والفروج، ويخاف من الزنا والربا وأكل الحرام وأكل مال اليتيم وكثير من الفواحش، وتراه متساهلاً لاجاً في فواحش وكبائر اللسان.

وإن من أربى الربا استطالة المرء في عرض المسلم، يتكلم بالكلمة ما يظن أنها تبلغ به ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه.

هذا خطير جداً أيها المسلم؛ فعليك أن تملك كلمتك قبل أن تخرج منك، فإذا خرجت منك ملكتك، وأنت تملك زمامها فإذا خرجت ملكت زمامك، وأنت سيد كلامك ما لم تقل، فإذا قلت فهو سيدك.

{اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}.

جاء في الصحيحين عن زيد رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال بعد صلاة فجر ذات يوم من ليلة كان بها مطر: «أتدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «يقول: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأما من قال مطرنا بفضل الله فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب». كلمة!

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ما قعد قوم مقعداً ثم قاموا منه ولم يذكروا الله جل وعلا ويصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان حسرة عليهم»، أخرجه الإمام أحمد وابن حبان وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه وإسناده صحيح.

فكم من المجالس تخلو من ذكر الله عز وجل؟

وكم من كلمة لم يتأمل فيها قائلها يعذب بها والعياذ بالله عز وجل؟ والأمثلة والنماذج على ذلك كثيرة، فعلينا جميعاً أن نتأمل في كلامنا في كلماتنا: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت».

أسأل الله جل وعلا أن يهدينا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا هو. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة، وأصلح أحوالنا في بلدنا هذا خاصة. اللهم من أراد بنا وبديننا ودعوتنا سوءاً فاجعل تدبيره تدميراً عليه، واجعل السوء يحيط به من كل جانب يا قوي يا متين. والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين.