العودة للخلف

(التاسع والعشرون) العيد

تاريخ النشر: 06 / 06 / 2026
: 6

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإنَّ مِن كَمال الشريعة الإسلامية وحُسْنها، ومِن حِكمة الله تعالى وأسراره البديعة في التشريع أنه بعدَ تمام شهر رمضان المبارك يُطِلّ العيدُ على المسلمين كالتاج فوق رأس الشهر الكريم.

يوم فرح وسرور بنعمة الله وفضله ورحمته وكرمه. يَفتتِحُه المسلمون بالذِّكر والتكبير والتهليل والصَّلاة والموعظة الحسَنة والاجتماع عليها والدعاء بالقبول ورجاء العفو والمغفرة والعتق من النار.

وفي المسند والسنن عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ»([1]).

فهذا عيدُ أهل الإسلام، كما قالَ النبي : «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهُنَّ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ»([2]).

وفي هذا الحديث مشروعية التوسِعة على النفس والعيال في الأكل والشرب.

وكذا لا بأس باللهو المباح في يوم العيد، ففي الصحيحين عَنْ أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ، يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : «يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا»([3]).

ويُشرع أنْ يغتسلَ للخروج إلى العيد، وقد فعله ابنُ عمر رضي الله عنه([4]).

ويُشرع التجمُّل للخروج إلى صلاة العيد، ولبس أحسن ثيابه([5]).

قال ابن قدامة رحمه الله: «ويُسْتَحَبُّ أن يَتَنَظَّفَ، ويَلْبَسَ أحْسَنَ ما يَجِدُ، ويَتَطَيَّبَ، ويَتَسَوَّكَ»([6]).

ويُشرع له أنْ يأكلَ تمرات، ونحوها، قبل الصلاة، مبادرة بالفطر. روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «كانَ رسول الله لاَ يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ، ويأكلهن وترًا»([7]).

قال ابنُ المنذر رحمه الله: «الذي عليه أكثر أهل العلم استحباب الأكل قبل الغدو إلى المصلى في يوم الفطر»([8]).

ويُشرع التبكير إلى العيد، وقد بوَّب عليه البخاري رحمه الله في صحيحه([9]).

وروى جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ خَالفَ الطَّريق يومَ العِيْد([10]). وله حِكَم كثيرة ذكرها أهلُ العلم، منها: أنْ يُسلِّمَ على أهل الطريقين وإفشاء السلام من المرغَّب فيه، وليشهد له الطريقان، وليدعو له ويدعو هو لكثير من المسلمين، ولكثرة الخُطا، ونحو ذلك من العِلل والحِكم الصحيحة.

وإذا أتى المُصلّى فليس للعيد راتبة قبلها ولا بعدها، وروى البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ يَوْمَ الفِطْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلاَ بَعْدَهَا»([11]). لكن إذا كانت الصلاة في جامع صلى تحية المسجد، وإن تأخر الإمام قليلًا بعد دخول وقت الضحى فله أن يُصلِّيها خشيةَ أن يُشغل عنها.

وليس للعيد أذان ولا إقامة. وهي ركعتان يُجهر فيهما بالقراءة، يكبِّر ويَستفتح الإمام والمأموم ثمّ يكبِّر الإمام سبعًا جهرًا تكبيرًا متواليًا ولا ذِكر بين التكبيرات بل يصمُت قليلًا ليتمكَّن الناس من التكبير والائتمام به، ثمَّ يستعيذ ويبسمل سرًّا ثمَّ يجهر بالقراءة، ويُستحب قراءة: ﴿سبح و ﴿الغاشية أو: ﴿ق و ﴿اقتربت. وفي الركعة الثانية: إذا اعتدل قائمًا -بعد رفعه من السُّجود- يكبِّرُ خمسًا قبل القراءة ويكبر الناس بتكبيره. والمسبوق يصلي ما فاته بصفته، ومن فاتته صلاة العيد صلاها على صفتها بدون خطبة([12]).

* ويُشرع التكبير ليلةَ العيد إلى طلوع الشمس وحضور وقت الصلاة، ثم يقطع التكبير ويتفرَّغ للصلاة واستماع الذِّكر والخُطبة.

قال سماحةُ الشيخ ابن باز رحمه الله: «يُستحبّ التكبير في العيد للمسلمين رجالًا ونساءً من غروب الشمس ليلةَ عيد الفطر إلى أنْ تُقضَى الخطبة مِن صلاة العيد، يُستحبّ التكبير في البيوت، وفي الأسواق، لقوله جل وعلا: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [البقرة:185]»([13]).

وقال رحمه الله: «والمشروع لِمَن جلسَ يَنتظر صلاةَ العيد أنْ يُكثر مِن التهليل والتكبير، لأنَّ ذلك هو شعار ذلك اليوم، وهو السُّنة للجميع في المسجد وخارجه حتى تنتهي الخطبة، ومَن اشتغلَ بقراءة القرآن فلا بأس. والله ولي التوفيق»([14])

وعليه أنْ يبادرَ بإخراج زكاة الفطر ليلة العيد. لأنَّ النبي «أمر بزكاة الفطر أنْ تُؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة»([15]). وقال: «مَنْ أدَّاها قبل الصلاة؛ فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومَنْ أدَّاها بعد الصلاة؛ فهي صَدَقَةٌ من الصدقات»([16]).

ويجوز التهنئة بالعيد، وليس له لفظ مخصوص، بل ما اعتاده الناس مما لا إثم فيه فحسَن، مثل الدعاء بالقبول نحو: تقبل الله منا ومنكم، فقد ورد فيه عدة آثار([17]).

وليحذر المسلم والمسلمة مِن المخالفات يوم العيد وبعده، ومنها: النوم عن الصلاة المفروضة، واستماع الأغاني والموسيقى، والتبرج والاختلاط، وتخصيص يوم العيد بزيارة المقابر، والتشبه بالكافرين في اللباس ونحوه، ومصافحة الأجنبيات، والإسراف والتبذير، وأذية المسلمين بأي نوع من أنواع الأذية.  ونسألُ اللهَ تعالى أن يتقبل منا ومنكم ومن جميع المسلمين صالح الأعمال، والحمد لله رب العالمين.



([1]) مسند أحمد 12006، سنن أبي داود 1134، الصحيحة 2021.

([2]) مسند أحمد 17379، وسنن أبي داود 2419، والترمذي 773 ، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه. وهو في صحيح أبي داود 2090 غراس، الجامع الصحيح 1409.

([3]) البخاري 952 ، ومسلم 892 ، وبعاث يوم جرى فيه حرب بين الأوس والخزرج وكان الظهور فيه للأوس.

([4]) المغني لابن قدامة  3/256 ت التركي .

([5]) البخاري 948 .

([6]) المغني 3/247 .

([7]) صحيح البخاري 953 ، وبوب البخاري: (بَابُ الأَكْلِ يَوْمَ الفِطْرِ قَبْلَ الخُرُوجِ).

([8]) الأوسط (4/ 292) الفلاح.وانظر: شرح البخاري (2/ 551) لابن بطال.

([9]) انظر صحيح البخاري حديث رقم 968.

([10]) البخاري 986 ، ومسلم.

([11]) البخاري 989.

([12]) بوّب عليه البخاري في صحيحه (بَابٌ: إِذَا فَاتَهُ العِيدُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ)، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وأفتت به اللجنة الدائمة برئاسة سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله. فتاوى اللجنة الدائمة 8/306 .

([13]) مجموع فتاواه 13/356.

([14]) مجموع فتاواه 13/14.

([15]) أخرجه البخاري (1509)، ومسلم (986).

([16]) صحيح أبي داود 1427 غراس، وانظر الإرواء 843.

([17]) فتاوى ابن باز 13/25 ، فتاوى العثيمين 16/208 ، 210.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح