الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فقد أوجبَ الله تعال في آخر رمضان: صدقة الفطر. وورد في الأدلة تسميتها بـ «زكاة الفطر»، وبـ «صدقة الفطر».
وأضيفت هذه الزكاة إلى الفطر من باب الإضافة إلى السبب المُوجِب، لأنها تجب بالفطر من رمضان.
قال ابنُ قتيبة رحمه الله: وقيل لها فِطْرة؛ لأنَّ الفِطْرة الخِلْقة قال الله تعالى: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ﴾ أي: جِبلَّتهُ التي جَبل الناسَ عليها.
وهذه الصدقة المقصود بها: الصدقة عن البدن والنفس، كما أنَّ الصدقة الأخرى في الأصناف المعلومة: صدقةٌ عن المال.
وأجمعَ العلماء على أنَّ النبيّ ﷺ أمرَ بصدقة الفطر، وهي واجبة عند جمهور العلماء.
ومِن أدلة وجوبها: حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «فرضَ رسولُ الله ﷺ زكاةَ الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة»([1]). وفي رواية: «صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير فعدَل الناس به نصف صاع من بُرّ»([2]).
وأما حِكمةُ مشروعيتها: فقد شرع الله سبحانه وتعالى صدقة الفطر لحِكَمٍ جليلة وعظيمة، ولما فيها من الفوائد الكثيرة. فمِن ذلك:
1- أنَّها طُهْرة للصائم من اللغو والرّفَث. قال المازري رحمه الله: «وكان سبب هذا: أنَّ العبادات التي تَطُول ويَشقّ التحرُّز فيها مِن أمور تفوِّتُ كمالها: جعلَ الشرعُ فيها كفارةً ماليَّةً بدل النقص كالهدي في الحجِّ والعمرة، وكذا الفِطرة، لِمَا يكون في الصَّوم من لَغْوٍ وغيره»([3]).
2- أنها مواساة للفقراء، وفيها إغناء لهم أيام العيد عن الاشتغال بطلب القوت، ليتمّ لهم كمال مشاركة المسلمين في أفراحهم المباحة يوم العيد، مع ما فيه من إدخال السُّرور على تلك الأسر الفقيرة، والتَّوسِعة عليهم، وفيه من مظاهر التكافل الاجتماعي، وتقوية أواصر الأخوّة ما هو ظاهر بدون تكلُّف.
3- وإخراجها مِن تمام شُكر الله تعالى الذي مَنَّ بتكميل صيام شهر رمضان.
ونِعَمُ الله تعالى تتوالى على العباد، أسبغها عليهم ظاهرة وباطنة، ومن أعظمها نعمة الإسلام والإيمان، ونعمة الصيام، والقيام، والقرآن. قال الله تعالى: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ [البقرة:185].
وقد أرشد إلى هذه الحِكَم والأسرار الجليلة حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطُعمةً للمساكين، مَن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدَقة من الصدقات»([4]).
وأما على مَن تجب: فقد دلَّ ظاهر حديث ابن عمر السابق أنها تجب على كلِّ مسلم ذكر أو أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير، وبهذا قال عامة أهل العلم.
وأما مِن أي شيء تَجب صدقة الفطر: فقد دلَّت الأحاديث على أنه يخرجها: صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من أَقِط أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من طعام.
فجملة الأصناف المذكورة، وهي: الشعير، والتمر، والزبيب، والأقط، والبُر.
ولا يتعيّن صنفٌ منها بعينه بل يجزئ صاع من غالب قوت أهل بلد المكلّف.
ولا تجزئ القيمة في قول عامة العلماء.
ودلت الأدلة على أنَّ الواجب: صاع عن كلِّ فرد وهو إجماع من أهل العلم في الشعير والتمر. وإنما اختلفوا في البُر: والأحوط أن يخرج صاعًا منه.
وأما متى تجب صدقةَ الفطر: فقد أفادَ حديث ابن عباس السَّابق وهو قوله: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر»، وحديث ابن عمر وهو قوله: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان..» أفادَا : أنها تجب: بغروب شمس آخر يوم من رمضان، إذْ بذلك يحصُل الفِطر مِن رمضان.
وينتهي وقتها: بصلاة العيد من يوم الفطر، ولا يجزئ إخراجها بعد ذلك، لقوله ﷺ في حديث ابن عباس السابق: «مَن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصَّلاة فهي صدقة من الصدقات».
ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه: «أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة»([5]).
ويجزئ إخراجها قبل يوم العيد بيوم أو يومين عند مَن يجمعها، أو لِمُستحِقّها للحاجة عند طائفة من أهل العلم، لحديث ابن عمر وفيه: «وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين»([6]).
وأمَّا لِمَن تُصْرَف: فدلّ حديث ابن عباس المتقدّم وفيه: «فرضَ رسولُ الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطُعمة للمساكين»: على أنَّ مصرفها فقراء ومساكين المسلمين.
قال ابنُ القيم رحمه الله: «وكان مِن هَدْيه ﷺ تخصيص المساكين بهذه الصدقة، ولم يكُن يَقسمها على الأصناف الثمانية قبضةً قبضةً، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحدٌ من أصحابه، ولا مَن بعدهم، بل أحد القولين عندنا: إنه لا يجوز إخراجها إلا عَلى المساكين خاصَّة، وهذا القول أرجَح مِن القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية»([7]).
ولا تجب عَن الجنين في بطنِ أمِّه، إلَّا أنْ يتطوعَ بها فلا بأسَ. وكل من استطاع أنْ يُخرجَها عن نفسه فالأولى أن يفعل ذلك بنفسه، وإلا وكَّل ثقة بذلك.
والأصل أن تُدفع إلى فقراءِ البلد الَّذِي هو فيه وقتَ الإِخراج سواءٌ كانَ محل إقامتِهِ أو لا، لاسيَّما إن كانَ مكاناً فاضلاً كَمكَّة، والمدينةِ، أو كانَ فقراؤه أشدَّ حاجةً. فإن كان في بلدٍ ليس فيه مَنْ يدفعُ إليه أو كانَ لا يعرفُ المستحِقينَ فيه وكَّلَ مَن يدفعها عنه في مكانٍ فيه مستَحِقٌ.
ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد، والهدى والرشاد، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا. والحمد لله رب العالمين.