العودة للخلف

البحوث النافعة - المقدمات

تاريخ النشر: 06 / 10 / 2026
: 4

المُقَدِّمَة

الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شَريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بَعْد:

فإنَّ أجلَّ مَا اشتغلَ به العبدُ، وقضَى فيه عمرَه، وأفنَى فيه أوقاته لهو طلب العِلْم الشَّرعي، لأنَّه أشرف المطَالب وأعلَاها، وأهمّ ما بُذلت فيه النُّفوس وأوْلَاها.

وإنَّ أهمَّه بَعْد تحقيق عِلْم التَّوحيد، معرفة أحكام تكاليف العبيد، لعُموم نَفْعه، وشِدَّة الحاجَة إليه، ولاشكَّ في تشعُّب أبوابِهِ، وانتِشار مسائِلِه، فكانَ ضبطُ ما شَرَد منها، وجمع ما تفرَّق وتعدَّد في أبواب مصنفاتها، أدعى لضبطها، وأوعى لحفظها، وأدنى لفَهْمها.

ومِن هُنا: كانَ مِن أحسَن مَا يُعانيْه الطَّالبُ المتفقِّه، معرفةُ القواعد الكليَّة، التي تضبطُ له أصولَ المسَائل، وتنبِّهُه على مآخذها وما عليه تنبني من الدَّلائل.

وقد قيَّض الله للمتأخِّر ممَّن تقدَّمَ مِن الأعْلام مَن يفتحُ لذهنِه الأقفال، ويفسَحُ لنظره المجال، ويؤصِّلُ له ليعْتبِر، ويشرحُ له ليقْتدِر، فكانُوا ـ رحمة الله عليهم ـ كالوالدين للطِّفْل يسْهرَا لينام، ويدْأبَا ليرتَاح.

فكَم في هذا العِلْم العظيم مِن مُؤلَّفات بين مطوَّلات ومختصرات، ومنظُومات ومنثورَات.

وكان العلَّامة السَّعدي رحمه الله ممَّن حازَ مِن هذا الفن بنصيب وافر، وقد يسَّر بقراءة منظومته في هذا الفنِّ، وبشَرْحِها، وحصل بذلك نفع كثير بحمد الله تعالى لكاتبه وقارئه، فاستفاد خلائق من الطلاب، فرغبنا في قراءة مؤلَّفه المنثور ـ وهو ما نشرحه في هذا الكتاب ـ فرأيناه عظيمَ الفوائد كثيرَ الزوائد والشَّوارد، حاويًا لكثيرٍ من أُصُول الدِّلالات والإشَارات الفقهيَّة، والضوابط واللطائف العلميَّة، فعظُم وقعُه في النفوس، وسمَت الهمةُ لوضْع شَرح عليه لكنَّها لم تقْنَع بالقليل، فحاولَت بلوغ الكمال وأنَّى!! لقليل البضاعة من إشباع طلبات الراغبين، لاسيما مع شدَّة المحْنة، وتضاعُف الغُربة، والهجرَة عن دار الحديث والحِكْمة، قسرًا لا طواعِيَه، بحُزن لا تبلُغ كلماتُ البُلَغاء معانِيَه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسْبنا الله ونعم الوكيل، ونسأل الله أنْ يهييء لنَا مِن أمرنا رَشدًا ومِرفقًا، وأن يختم لنا بالحُسنى، وأن يغفر لنا في الآخرة والأولى.

وقد كنتُ كتبتُ أصولَ هذه البحوث أثناء مذاكرتي لهذا الكتَاب مع إخواني وأحبَّائي مِن الطُّلاب المحبِّين للعِلْم، هناك، على أَمَلٍ في مضاعفة الهمَّة للمبالغة في التحرير والتنقيب عن الأسرار والدلائل والمعاني، مِن بُطون أمّات الكُتب مِن بَين مآت الكتب الأصيلة في مكتبة لا يُعلم لها نظير في القطر اليماني، وذلك عند النظرة الأخيرة قبل تقديم الكتاب للطِّباعة ـ والله المستعان! ـ فقد قدَّمْتُ العُذر!.

وأتمثَّلُ بكلام الإمام ابن القيم رحمه الله حيثُ قال: والمرغوب إلى مَن يقف على هذا الكتاب أنْ يعذرَ صاحبَه فإنَّه علَّقه في حالِ بُعدِه عَنْ وطنِه، وغَيبتِه عَن كُتُبِه، فما عَسى أنْ يبلُغَ خاطرُه المكدود وسعيُه المجهود مع بضاعته المزجَاة التي حقيقٌ بحامِلها أنْ يُقال فيه: تسمَع بالمعَيدي خيرٌ مِن أنْ تراه!، وها هو قد نصبَ نفسَهُ هدفًا لسهام الرَّاشقين وغرضًا لأسِنَّة الطاعنين، فلِقَارِيْه غُنْمه، وعلى مؤلِّفه غُرمه، وهذه بضَاعتُه تُعرَض عليك ومُوليتَه تُهدى إليك، فإنْ صادَفت كُفؤًا كريمًا لها: لن تُعدم منه إمساكًا بمعروف أو تسريحًا بإحسان([1])، وإنْ صادفت غيرَه فالله تعالى المستعان وعليه التكلان، وقد رضي من مَهرها بدعْوَة خالصَة إنْ وافقت قبولًا واستحسانًا، وبردٍّ جميل إن كان حظّها احتقارًا واستهجَانًا، والمنْصف يهبُ خطأَ المخطئ لإصابته، وسَيئاتِه لحسناتِه، فهذه سُنة الله في عباده جزاءً وثوابًا، ومَن ذا الذي يكونُ قولُه كلُّه سديدًا وعملُه كلُّه صَوابًا، وهل ذلك إلا المعصُوم الذي لا ينطقُ عن الهوى([2]).

ولقَد خشيتُ على هذه البُحوْث مِن الضَّياع، فعزمتُ على مُراجعة بحوث الكتاب، وتصحيح تجاربه، وتهذيب مسائله، وتنقيح دلائله، والاجتهاد في تهيئتها للطبع والإخراج قدْرَ المُستطاع حسبما يسَّر الله سبحانه ، لإفادة المحبِّين، وسائر الدَّارسين.

وأسأل الله جلَّ في علاه أن يجعل فيما بحثناه النَّفْع لكاتبه وقارئه والمسلمين، وأنْ يمُنَّ علينا بقبول أعمالنا، وأن يغفر لنا الزلَّاتِ وسائر الخطيئات، وألا يجعل عِلْمَنا علينا وبالَا. اللهم انفعْنا بما علَّمتنا وارفعنا به درجات، وعلِّمنا ما ينفعنا وزدنا علمًا.

والحمدُ لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

كتبه

أبو محمَّد

عبدُ الله بن أحـمد بن لَـمْـح الخَوْلانـِي

منتصف  شهر ربيع الثاني من عام 1436 هجريَّة.

المقدمات

يحسُن قبلَ البَدء في مباحث الكتاب وقواعده البدء بما يسميه العلماء بـ:

     المبادئ العشرة

وهي المجموعة في قول أبي العرفان الصبَّان رحمه الله:

[[إن مبادي كل علم عشـرة***الحد والموضوع ثم الثمرة

ونسبة وفضله والواضعْ***والاسم الاستمداد حكم الشارع

مسائل والبعض بالبعض اكتفى***ومن درى الجميع حاز الشـرفا]]

وقال المقري رحمه الله:

[[من رامَ علما فليقدّم أولا***علما بحد ثم موضوع تلا

وواضع ونسبة وما استمد***منه وفضله وحكم يعتمد

واسم وما أفاد والمسائل***فتلك عشر للمنى وسائل

وبعضهم منها على بعض اقتصـر***ومن يكن يدري جميعها انتصـر]]

وفائدتها: أنْ تتصوَّر ما أنت قادم عليه، فإنه لا بد للمتعلم قبل أن يخوض في فن أن يتصوره إذ لا يمكن الشروع في علم إلا بعد تصوره، ومن المعلوم: أن معرفة الشيء فرع عن تصوره.

     الاسم

اشتهر هذا الفنّ بين العلماء باسم: القواعد الفقهية. وممن سمَّى كتابه في هذا العلم بالقواعد: شيخ الإسلام والعلائي وابن رجب والمقري وابن عبد الهادي والزركشي والونشريسي.

ويسمِّي عددٌ كبير من أهل العلم كتبَهم في هذا الفن بالأشباه والنظائر كابن الوكيل والسُّبكي وابن الملقن والسيوطي وابن نجيم.

ويسمِّيها بعضهم: الأصول، كالكرخي، والنووي، والمؤلف.

ويسمِّي بعضهم كتابه في القواعد: القوانين الفقهية كابن جزي.

ويعبِّر عنها بعض العلماء بـ: الأصول والضوابط كالنووي.

وبعضُهم: الكليات الفقهية كالمقري.

والمؤلف سماها: القواعد والأُصُول، وسنتكلم عن هذا العنوان فيما بعد إن شاء الله.

     الحد

يُحدّ علمُ القواعد الفقهية باعتبارين:

الاعتبار الأول: بمفرديه، وهما: (قواعد) و (فقه).

والاعتبار الثاني: باعتباره لقبًا وعلَمًا على هذا الفن.

فأما الاعتبار الأول: فالقاعدة في اللغة: الأساس الذي يبنى عليه. والأصل لما فوقه. وهي حسية ومعنويه، فمن الأول: قواعد الدار، كقوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} [البقرة: 127]، وقوله: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 26] على قول للمفسرين. ومن الثاني: قواعد المصطلح، والفقه، ومنه الآية السابقة على قول آخر للمفسرين.

وأما الفقه: فهو في اللغة: الفهم على المشهور، ومنه قوله تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 27، 28]  وقوله:  {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]  ، أي: لا تفهمون تسبيحهم.

وقيل: الفقه لغةً: العلم ، وقيل: العلم والفهم، ومنهم من يخص الفقه بفهم ما دقَّ! ولكن هذا التخصيص له غور بعيد، بمعرفته تعلم أنه خطأ، وقد وضحته في أصول الفقه.

وأما في الاصطلاح: فيطلق على جميع الشريعة فيدخل فيه علم التوحيد والعقيدة والسلوك، ويطلق الفقه على: استنباط الأحكام كما في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه: نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِى فَبَلَّغَهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. أي: أقدر منه على استخراج الأحكام الشرعية من هذا الحديث الذي يحفظه.

ويطلق الفقه على: المسائل العملية مطلقًا، وهو المراد هنا. وعرفه بعضهم بأنه: معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية. ويُطلق على الأحكام نفسها، فالأول باعتبار الفقيه، والثاني باعتبار المفقوه!([3]).

ومن مجموع المركب الوصفي: نعرف أن القواعد تتعلق بالأحكام والفروع نفسها كونها تتفرع عنها، وترجع إليها. وتتعلَّق بالعلم بها من حيث إنَّها الطريق لبناء الفقه الصحيح وضبط الأحكام، ورد كل فرع إلى أصله، ومأخذه.

وأما بالاعتبار الثاني: فاختلف في حدِّ القاعدة الفقهية بناء على اختلافهم في كونها كلية أو أغلبية. فقيل: قضية كليَّة، أو حكم كلّي، ينطبق على جميع جزيئاته. وقيل: حكم أكثري، أو قضية أغلبية تنطبق على أكثر جزيئاتها تفهم أحكامها منها.

وعلّل من عبَّر بالأغلبية في الحدِّ بعدم اطراد كثير من القواعد، ودخول الاستتثناءات الكثيرة على كثير منها.

لكن قال الشاطبي رحمه الله: الأمر الكلي إذا ثبت كليًّا، فتخلُّف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كُليًّا. لأنَّ المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت، ولأنَّ الجزئيات المتخلِّفة قد يكون تخلفها لحِكم خارجة عن مقتضى الكلي، فلا يكون داخلة تحته أصلًا، أو تكون داخلة لكن لم يظهر لنا دخولها، أو داخلة عندنا، لكن عارضها على الخصوص ما هي به أولى([4]).

وقال شيخ الإسلام رحمه الله ([5]) في ردِّه على بعض الفقهاء في مسألة ما جاء على خلاف القياس: وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأنواع بحكم يفارق به نظائره فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم ويمنع مساواته لغيره لكن الوصف الذي اختص به قد يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر.

فظهر أن تخلُّف بعض الفروع عن كليةٍ ما لا يخلو من انتفاء شرط القاعدة أو وجود مانع يمنع دخوله في حكمها، ومن القواعد المتفق عليها ـ وستأتي معنا ـ أن الأحكام ـ ومنها ما تضمنته الكليات الفقهية ـ لا تتم إلا باجتماع شروطها وانتفاء موانعها.

وأيضًا: الغالب الأكثري معتبر في الشرع.

قال ابن عاصم رحمه الله:

[[كُلُّهَا قَوَاعِدُ كُلِّيَّهْ***مَقَاصِدُ الشّـَرْعِ بِهَا مَرْعِيَّهْ

وَلَيْسَ رَافِعًا لِكُلِّيَّاتِهَا***تَخَلُّفٌ لِبَعْضِ جُزْئِيَّاتِهَا]]

     الموضوع

موضوع القواعد الفقهية هو: الأصول الكلية الفقهية التي يمكن إرجاع الفروع إليها، واستنباط أحكامها منها، وضبط الشوارد والأشباه المتناثرة في الأبواب المختلفة وربط بعضها ببعض.

وهو يخدم الفقه الإسلامي، ويفيد في إعطاء المستجدات العملية ونحوها أحكاما تكليفية وذلك بضم النظير إلى نظيره، وتمييزه عن شبيهه.

ونبحثُ فيه القواعد الفقهيَّة من حيث:

- ألفاظها وتعبير أصحاب الفن والفقهاء عنها.

- أركانها، وشروطها، وأقسامها، ونحو ذلك.

- قوتها وحجيتها، وما يدخل تحتها من الفروع، وما يخرج عنها وسببه.

     الثمرة

أي فوائد دراسة القواعد الفقهية، وهي كثيرة، منها:

- أنَّها تجمعُ مسائل فقهيَّة كثيرةً متناثرة، وتضمُّ النَّظيرَ إلى نظيره، فدراستُها طريق ميسَّرة لمعرفة الأشباه والنَّظائر الفقهيَّة.

- أنَّ دراستَها طريقٌ مختصر للارتقاء في المستوى العلمي وإلحاق الفروع بالأصول.

- أنَّ فيها ضبطا للفِقْه الصَّحيح، والكلام بعِلم وعدل وإنصاف وموافقة الأئمة، وسلوك مناهجهم في فهْم الأدلَّة الشَّرعيَّة وتطبيقها.

- أنَّها تعينُ على كشف أسرار الشَّريعة ومقاصدِها النَّبيلة العظيمة.

- وتيسِّر الوقوف على ثروة فقهيَّة ضخْمة بأسهل طريق.

     النسبة

ويُعنى به مرتبته بين العلوم ، وعلاقته بها، ولاشك أنه من أهم الفنون، وآكد العلوم الشرعية.

وليس هو مجرَّد نوع من علم أصول الفقه كما قد يظنه بعضهم، بل هو فن مستقل، يخدم الفقه الإسلامي كأصول الفقه، نعم يشترك معه في فصول كثيرة، وهو صنيع طائفة كثيرة من المصنفين في فن القواعد يذكرون مسائل وفصولا أصوليَّة كثيرة، ولكنه كاشتراك علم الأصول مع أصول الحديث، واللغة و قريب منه.

وكلام جملة من أئمة الشأن يقتضي التغاير، ومن ذلك كلام شيخ الإسلام، والعلامة القرافي([6]).

     فضله

لاشك في فضل هذا العلم، فإنَّه يوصل المتمكن منه إلى قوة الاستحضار، وضبط الفروع الفقهية، ومعرفة مآخذ الجمع والتفريق بين المسائل.

واعلم أنَّ دراسةَ هذا الفنّ من الأهميِّة بمكَان، وقد قرَّر العلماءُ وبيَّنوا ضرورةَ العناية به، ومُراعاتِه.

قال القرافي رحمه الله: وهذه القواعد مهمَّة في الفقه، عظيمة النَّفع، وبقدْر الإحاطة بها يعظُم قدْر الفقيه ويشرُف، ويظهر رونقُ الفقه ويُعرف، وتتَّضح مناهج الفتاوى وتُكشف، فيها تنافسَ العلماءُ، وتفاضَل الفُضلاء، وبرَّز القارح على الجذَع، وحاز قصب السَّبق مَن فيها برَع، ومَن جعل يخرِّج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكليَّة تناقضَت عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطرُه فيها واضطربت، وضاقت نفسُه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العُمُر ولم تقض نفسُه مِن طلب مُناها، ومَن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات، لاندراجها في الكليَّات، واتَّحدَ عنده ما تناقض عند غيره وتناسب، وأجاب الشاسع البعيد وتقارب، وحصَّل طلبتَه في أقربِ الأزْمَان، وانشرح صدره لما أشرق فيه من البيان، فبين المقامين شأوٌ بعيد، وبين المنزلتين تفاوت شديد([7]).

وقال رحمه الله أيضًا: وأنت تعلم أنَّ الفقه وإن جلّ إذا كان متفرقًا تبدَّدت حكمته، وقلّت طلاوته، وبعدت عند النفوس طلبته، وإذا رأيت الأحكام مخرَّجة على قواعد الشرع، مبنية على مآخذها، نهضت الهمم حينئذ لاقتباسها، وأعجبت غاية الإعجاب بتقمص لباسها([8]).

وقال العَلَائي رحمه الله: وكان من أحسن ما يعانيه الفقيه المتقن والنبيه المحسن معرفة القواعد الكلية والمعاقد المرعيَّة وما يتخرج من الفروع عليها ويرجع من الشوارد المفرقة إليها، وهي الطريقة التي خفيت مسالكها وصعبت مداركها وقلَّ المعتني بها([9]).

وقال ابن رجب رحمه الله: فهذه قواعد مهمَّة، وفوائد جمَّة، تضبطُ للفقيه أصول المذْهب، وتُطلعُه مِن مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيَّب، وتنظم له منثورَ المسائل في سلك واحد، وتقيِّد له الشواردَ، وتقرِّب عليه كلَّ متباعِد([10]).

وقالَ المرداوي رحمه الله: وقد ذكر العلامة ابن رجب قواعد جليلة عظيمة في الفقه، وبعده تلميذه القاضي علاء الدين ابن اللحام البعلي ذكر قواعد في أصول الفقه، كل منهما أتى بأشياء كثيرة حسنة جدًّا نافعة لطالب العلم، وكذلك الشَّيخ تقي الدين ذكر قواعد كثيرة في المذهب، وكذلك ابن القيم وغيره.

إذ يجب على كلِّ مَن أراد إحكام علم أن يضبط قواعده ليرد إليها ما ينتشر من الفروع، ثم يؤكد ذلك بالاستكثار من حفظ الفروع ليرسخ في الذهن؛ فيتميز على نظرائه بحفظ ذلك واستحضاره، واعلم أن قواعد مذهب الإمام أحمد وأصحابه كثيرة جدًّا، وكذلك جميع المذاهب الأربعة لكل أصحاب مذهب قواعد كثيرة جليلة عظيمة([11]).

وقال الزركشي رحمه الله: فإنَّ ضبط الأمور المنتشرة المتعدِّدة في القوانين المتحدة هو أوعى لحفظها وأدعى لضبطها، وهي إحدى حكم العدد التي وضع لأجلها، والحكيم إذا أراد التعليم لا بد له أن يجمع بين بيانين: إجمالي تتشوف إليه النفس، وتفصيلي تسكن إليه. ولقد بلغني عن الشيخ قطب الدين أنه كان يقول: الفقه معرفة النظائر([12]).

وقال السيوطي رحمه الله: اعلم أنَّ فنّ الأشباه والنظائر فنٌّ عظيم، به يُطَّلع على حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه وأسراره، ويتمهّر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على ممرّ الزَّمان، ولهذا قال بعضُ أصحابنا: الفقه معرفة النظائر([13]).

وقال ابن نجيم رحمه الله: بها يرتقي الفقيه إلى درجة الاجتهاد ولو في الفتوى([14]).

وقال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله: فهي مخزون مهم للفقيه ينزل عليها النوازل، والواقعات، وبقدر إحاطته بها: تسمو مكانته، ويعظُم قدرُه([15]).

     الواضع

لا يُعلم له واضع معين، بل القواعد الفقهية علم يمكن النظر إليه من منظارين:

الأول: من جهة عامة : فالنصوص الشرعية وأدلة الأحكام من الآيات والأحاديث، وكذا أقوال الصحابة فيها قواعد عامة وقضايا كلية تجمع أبوابًا وفروعًا كثيرة جدًّا.

ولسْنا ممن يخصُّ القواعدَ الفقهيَّة بـ: القواعد الاستقرائية التي وضعها الأئمة في كتب الفنّ المعروفة، بل نؤكِّد على ضرورة العناية بالقواعد الكلية والأصول الجامعة الثابتة في الكتاب والسنة، وذلك لبركة النُّصوص الشرعيَّة، فكم من آية يدخلُ تحتَها ما لا يُحصى من الأحكام الفرعيَّة كما قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}  ص٢٩

والنَّبي ﷺ قد أوتي جوامع الكَلِم وخواتمَه كما أخبر عن نفسه ﷺ([16])، وهذه الجوامع تشمل الجوامع في الكتاب والسنة كما أبانه ابن رجب رحمه الله.

وقد علّمنا النبيُّ ﷺ الرُّجوع إلى هذه الكليات الجامعة، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ سئل عن الحُمُر؟ فقال: مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 8].

ومعنى الفاذَّة: المنفردة القليلة النظير، والجامعة: أي العامة المتناولة للحسنات والسيئات.  قال العراقي: أي: لم ينزل علي فيها نص بعينها لكن نزلت هذه الآية العامة وفيه إشارة إلى التمسك بالعموم([17]).

وقال ابن حجر رحمه الله: سماها جامعة لشمولها لجميع الأنواع من طاعة ومعصية وسماها فاذة لانفرادها في معناها، قال ابن التين: والمراد أن الآية دلت على أن من عمل في اقتناء الحمير طاعة رأى ثواب ذلك وإن عمل معصية رأى عقاب ذلك، قال ابن بطال: فيه تعليم الاستنباط والقياس لأنه شبه ما لم يذكر الله حكمه في كتابه وهو الحمر بما ذكره من عمل مثقال ذرة من خير أو شر إذ كان معناهما واحدا، وتعقَّبه ابن المنيّر بأن هذا ليس من القياس في شيء وإنما هو استدلال بالعموم([18]).

وتلك القضايا الكليَّة المتلقَّاة عن الرَّسول تفيدُ العلمَ والإلْزام، ولا تقْبلُ التَّغيير، وتفتح باب الاستنباط والاستدلال لتحقيق شموليَّة هذا الدِّين وصلاحيَّته لكلِّ زمان ومكان([19]).

قال شيخُ الإسلام رحمه الله: فإنَّ الشَّارع نصوصُه كلماتٌ جوامع، وقضايا كليَّة، وقواعد عامَّة، ويمتنعُ أن ينصَّ على كلِّ فردٍ من جزئيات العالم إلى يوم القيامة، فلا بدَّ من الاجتهاد في المسائل والنوازل المعيَّنات هل تدخل في كلماته الجامعة أم لا؟([20]).

وقال رحمه الله أيضًا: الصَّواب الذي عليه جمهور أئمة المسلمين أن النصوص وافية بجمهور أحكام أفعال العباد، ومنهم من يقول: إنها وافية بجميع ذلك؛ وإنما أنكر ذلك من أنكره لأنه لم يفهم معاني النصوص العامة التي هي أقوال الله ورسوله، وشمولها لأحكام أفعال العباد وذلك أن الله بعث محمدًا ﷺ بجوامع الكلم فيتكلَّم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كلية وقاعدة عامة تتناول أنواعًا كثيرة، وتلك الأنواع تتناول أعيانًا لا تُحصى، فبهذا الوجه تكون النصوص محيطة بأحكام أفعال العباد، مثال ذلك أن الله حرم الخمر فظن بعض الناس أن لفظ الخمر لا يتناول إلا عصير العنب ... والصواب الذي عليه الأئمة الكبار: أن الخمر المذكورة في القرآن تناولت كل مسكر، فصار تحريم كل مسكر بالنص العام والكلمة الجامعة([21]).

وقال الشَّاطبي رحمه الله: الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حِدتها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادًا لا تنحصر([22]).

وقد صنَّف في هذا الباب ابن الصلاح، والنووي، رحمهما الله ، وغيرهما.

وهذه إلماحة، وقد أوضَحْنا هذا بأوسع في كتاب مفرد في هذا الموضوع يسر الله إتمامه.

الثاني: من جهة التصنيف والتأليف، فمِنْ أوَّل من نَعلم أنه ألف فيه: أبو الحسن الكرخي، وتبعه الدبوسي، وقيل: أبو العباس ابن القاص.

ثمَّ ظهرت مؤلفات كثيرة في هذا العلم منثورة، ومنظومة، مبسوطة ومختصرة، منها ما هو خاص بأحد المذاهب الأربعة، ومنها ما هو مطلق غير متقيد بمذهب.

     الاستمداد

يغلب على القواعد الفقهية أن تكون مستمدة مما يلي:

- النُّصوص الشرعية من الكتاب والسنة، نحو:   {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، ونحو: إنما الأعمال بالنيات.

- أقوال الصحابة، نحو قول عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط([23]).

- أقوال أئمة الفقه من التابعين ومن بعدهم، وأئمة المذاهب، وأغلبها كالضوابط الخاصَّة، بحيث يُرجعون إليها أو يخرجون عليها اختيارات الإمام في مسائل ونظائر كثيرة.

- الاستنباط من الفروع والأشباه الفقهية، عند ضم بعضها ببعض.

- القواعد الأصولية، واللغوية.

     حكم الشارع

تعلُّمه فرض كفاية، كغيره من العلوم الشرعيَّة.

قال عمر رضي الله عنه في كتابه لأبي موسى: ثم الفهم الفهم واعرف الأشباه والنظائر.

قال السُّيوطي رحمه الله: هذا صريح في الأمر بتتبع النظائر وحفظها ليقاس عليها ما ليس بمنقول([24]).

وقد شدَّد شيخُ الإسلام على ضرورة ضبط الكليَّات العامَّة، وعلى وجوب اعتبارها أثناء التطبيق على الوقائع والأعيان ليتكلَّم المتكلِّم بعلمٍ وإنصاف.

قال رحمه الله: لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كليَّة تُردُّ إليها الجزئيَّات ليتكلّم بعلم وعدْل، ثمَّ يعرف الجزئيات كيفَ وقعت؟ وإلَّا فيبقَى في كذب وجهل في الجزئيَّات وجهل وظلم في الكليَّات فيتولَّد فساد عظيم([25]).

وأبان أيضًا رحمه الله : أنه لابد من مراعاتها والانضباط بها في التطبيق، فقال : يجب على المسلم أن يُراعي القواعدَ الكليَّة التي فيها الاعتصام بالسنة والجماعة([26]).

وقال رحمه الله : ... بل على الناس أنْ يلتزمُوا الأصولَ الجامعةَ الكليَّة التي اتَّفق عليها سلفُ الأمَّة وأئمَّتُها([27]).

وذكر النووي رحمه الله أن ما كان محتملًا لأكثر من وجه أو احتمال من الأحاديث إذا لم يأت فيه نقل صريح فيجب تأويله على وفق القواعد الشَّرعية([28]). وذلك طلبًا للسَّلامة من الغلط ومعارضة الشريعة.

 

مصطلحات و حدود

هذه جملة من المصطلحات كثيرًا ما تتكرَّر في كتب الفن أو على ألْسِنة المعلمين.

     الضابط

الضَّابط من الضبط وهو لغة: لزوم الشيء وحبسه.

وكثير من أهل العلم ـ لاسيما المتقدِّمون ـ لم يفرقوا بين القاعدة والضابط فأطلقوا القاعدة مكان الضَّابط. ويكثُر استعمال القاعدة مكان الضابط في قواعد ابن رجب، وأشباه ابن الوكيل، وابن الملقن، وغيرها.

لكنَّه في اصطلاح جماعة مِن أهل الفنّ لاسيما المتأخرين: أخص من القاعدة.

ومِن أوَّل مَن فرَّق بينهما العلَّامة السُّبكي، وحاصل ما ذكروه من الفرق: أن الضَّابط يختص بباب واحد مِن أبواب الفقه، بحيث يدخل تحته فروع مختلفة من ذلك الباب.

بخلاف القاعدة فإنَّها لا تختص بباب واحد بل تشمل فروعا فقهية كثيرة من أبواب فقهية مختلفة.

والتفريق بينهما أدقّ، وهو ما جَرَى عليه المعنيُّون بفنِّ القواعد الفقهيَّة مؤخَّرًا، مع تسليم أنَّ استعمال القاعدة مكان الضَّابط كثيرٌ في كلام الأئمة المصنِّفين في هذا الفنِّ.

ومما فرِّق به بينهما أيضًا:

- أنَّ القاعدة أكثر شذوذًا لشمولها أبوابًا فقهية مختلفة، بخلاف الضَّابط فلا يُتسامح فيه بكثرة المستثنيات، لأنَّه يجمع موضوعًا واحدًا.

- أنَّ القواعد في الغالب يتفق عليها أهل المذاهب أو أكثرهم، بخلاف الضوابط فيكثر الخلاف فيها، بل كثيرًا ما يختلف فيها الفقهاء في المذهب الواحد.

     القاعدة الأصولية

قيل: حكم كلي يستنبط بواسطته أحكام الفروع الفقهية من أدلتها.

ويفرق بين القاعدة الأصولية والفقهية بجملة من الفروق، منها:

- أنَّ قواعد الأصول تتعلَّق بالألفاظ ودلالتها على الأحكام، وتطبيقاتها على الأدلة، مثلًا: (الأمر للوجوب)، (النهي للتحريم)، تطبَّق هذه القواعد على الأدلة لاستنباط الأحكام، بينما القواعد الفقهية تتعلَّق بالأحكام نفسها، وتطبيقها على المسائل نفسها، فمتعلَّق قواعد الأصول: الأدلة، ومتعلق قواعد الفقه: فعل المكلّف.

والأصولية: وسيلة لاستنباط حكم الفرع من الدَّليل، والفقهية: حكمها منطبق على الفرع مباشرة.

- الاستثناءات في القواعد الفقهية أكثر منها في القواعد الأصولية، ومن القواعد الأصولية ما لا استثناء فيه، بخلاف قواعد الفقه.

- الفقهية: قد تتأثر بالفروع وتستنبط من ضم بعضها إلى بعض، والأصولية: مؤثرة في الفروع مطلقًا.

- أنَّ القواعد الفقهية يُستنبط منها أسرار الشَّرع وحِكَمه، ومقاصد الشريعة الإسلامية، بخلاف قواعد الأصول([29]).

     القواعد الأساسية:

هي القواعد الكلية الكبرى، وقد شرحها العلائي وطائفة بعده، وأفردت كل قاعدة منها مؤخّرًا بالتصنيف المستقل، وهي: (الأمور بمقاصدها) و (المشقة تجلب  التيسير) و (اليقين لا يزول بالشك) و (العادة محكمة) و(الضَّرر يزال).

وقد جُمعت هذه الكليات في قول الناظم:

[[ضرر يزال، وعادة قد حُكّمت***وكذا المشقة تجلب التيسيرا

والشك لا ترفع به متيقّنا***والنية اخلِص إن أردت أجورا]]

وكل قاعدة منها يدخل تحتها فروعٌ فقهية من جميع أبواب الفقه تقريبًا.

     القواعد الخاصة

تارة يُقصد بها الضوابط بالمفهوم السابق.

وقد يُقصد بها: القواعد المختصَّة بالمذاهب، مثلا: قواعد المذهب المالكي، أو الشافعي، يقال هذه قاعدة خاصَّة؛ أي بالمذهب، وإن كانت تتناول فروعًا من أبواب متفرقة.

     القواعد التشريعية

تُطلق على نوعين من القواعد وهي:

- القواعد المنصوص عليها من الشارع.

- القواعد المستنبطة من النصوص الشرعية.

وكلا النوعين قواعد قوية، أدلتها قائمة، ويصح الاستناد إليها، والتعويل عليها.

     القواعد الاستقرائية

وهي القواعد المأخوذة من استقراء الأحكام الجزئية، والفروع الفقهية، بطريق الاجتهاد، وأدلة إثبات هذا النوع من القواعد هي الأدلة الواردة في تلك الفروع الفقهية المأخوذة منها.

وهذه القواعد ليست على وتيرة واحدة من القوة، بل بعضها ضعيف، وكثير منها أشبه بالضَّابط منها بالقاعدة.

     القواعد الفرعية

وهي تلك القواعد التي تمثل قيدًا أو شرطًا أو فرعًا عن قاعدة أكبر منها. ويقابلها:

     القواعد المستقلة

وهي التي ليست قيدًا أو شرطًا في قاعدة، ولا متفرِّعة عن قاعدة أخرى، وذلك مثل القواعد الأساسية، وقواعد كبرى مختلفة.

مثلا: (الضرر لا يزال بالضرر) قاعدة متفرعة عن قاعدة (الضرر يزال)، و: (لا عبرة بالعرف الطارئ) متفرعة عن قاعدة (العادة محكّمة).

     صيغة القاعدة

أي: العبارة والجملة التي يُعبَّر بها عن القاعدة. ويرد لفظ القاعدة في أحد قالبين:

الأول: الصِّياغة الخبريَّة، ويكثُر هذا حيث يُجزم بالقاعدة.

الثاني: الصِّياغة الإنشائية، ويكثُر هذا حيث يتردَّد في الحكم، ويقوى الخلاف في القاعدة، وفروعها. والأول أنواع وهي:

- مَا كانت على صيغة نصٍّ شرعيٍّ، كقاعدة: (الأعمال بالنيات)، و(الخراج بالضمان)، و (لا ضرر ولا ضرار).

- ما كانت مُستَنبطة من نصٍّ شرعي، كقاعدة (اليقين لا يزول بالشك) مستنبطة من حديث: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحًا الحديث([30])، وقاعدة (الميسور لا يسقط بالمعسور) مستنبطة من حديث فأتوا منه ما استطعتم([31]).

- ما أُخذت من كلام بعض الأئمة، مثل (لا يرث أحدٌ أحدًا بالشك) من كلام الإمام مالك، و(لا يُنسب إلى ساكت قول) و(إذا ضاق الأمر اتَّسع) مِن كلام الإمام الشافعي.

- تحرير صياغة القاعدة من خلال تتبع أحكام النظائر من الفروع الفقهية.

     القاعدة الضعيفة

إياك أنْ تغترَّ بكلِّ ما قيل عنه إنه قاعدة، فكَم مِن قاعدة قعَّدها مبتدع أو مقلد جامد، ونحو ذلك.

وكم من قاعدة يتَوَاضعُ عليها بعضُ الفقهاء تُصادم نصًا أو نصوصًا.

قال ابن القيم رحمه الله: أمَّا أَنْ نقعِّد قاعدة ونقول: هذا هو الأصل، ثمَّ نردُّ السُّنة لأجل مخالفة تلك القاعدة؛ فلعمْر الله لهدم ألف قاعدة لم يُؤصِّلها الله ورسوله أفْرَض علينا من ردِّ حديث واحد([32]).

وقالَ أيضًا([33]): وإنما يُؤتى مَن يؤتى هناك مِن قِبَل فهمه وتحكيمه آراء الرِّجال وقواعد المذهب على السُّنة؛ فيقع الاضطراب والتناقض والاختلاف، والله المستعان.

وقال ـ في معرض الرَّد على الحنفية في مسألة الزيادة على النَّص ـ : وكيف يسوغ ردّ سُنن رسول الله ﷺ بقواعد قعَّدتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان([34]).

وقال ابنُ رجب رحمه الله: ومن ذلك ـ أعني محدثات العلوم ـ ما أحدثه فقهاء أهل الرأي من ضوابط وقواعد عقليَّة وردّ فروع الفقه إليها، وسواء أخالفت السُّنن أم وافقتها! طردًا لتلك القواعد المقررة! وإن كان أصلها مما تأوَّلوه على نصوص الكتاب والسنة لكن بتأويلات يخالفُهم غيرهم فيها!؟ وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام على مَن أنكروه مِن فقهاء أهل الرأي بالحجاز والعراق، وبالغُوا في ذمِّه وإنكاره. فأمَّا الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنّهم يتَّبعون الحديث الصحيح حيثُ كان([35]).

وقال العلَّامة بكر أبو زيد رحمه الله: لابد من الإشارة إلى أن التأليف في القواعد قد وصل إلى حدِّ الإيغال والتشقيق.

أما الإيغال والتقعّر: فقد بلغت الحال إلى رَصْد قواعد يَرِدُ عليها من الاستثناءات أكثر من فروع القاعدة!!، وإلى رصد قواعد ثار الخلاف في تقعيدها.

وأمَّا التشقيق: فهو صياغة قواعد لكلِّ مذهب، فتكون قواعد قاصرة، لا من قواعد الإسلام الكلية الشاملة. لهذا فعلى طالب العلم التنبُّه والتبيُّن([36]).

 

عملي في الشرح

- بعد ذِكْر نصِّ القاعدة: أذكُر تمهيدًا، أضمنه الإشارة إلى أهميتها، ومَن ذَكرها، وبعض الألفاظ التي وردت بها، ونحو ذلك.  ثمَّ أذكُر مَعاني مفردات القاعدة لغةً واصطلاحًا غالبًا، ثمَّ معاني بعض الجمل في القاعدة عند الحاجة، كل ذلك زيادة في إيضاح القاعدة، وبيان معناها.  بعد ذلك: أذكر المعنى الإجمالي للقاعدة، وقد أضمنه بعض الفوائد.

ثمَّ أذكر أدلَّة القاعدة، وأذكُر وجْهَ الدلالة حيث يُحتاج إلى ذلك.  وذكرتُ في القَواعد الكُبرى: جملةً من فوائدها، وأسرارها.

- بعض القواعد والأصول الآتية([37]) تحتمل الإطالة في الشرح والبسط في التقسيم والتنويع والإغراق في الجمع والتحرير وذلك لعظمها ودخولها في سائر أبواب الفقه والدِّين، ولو جرينا على هذا لطال الشَّرح جدًّا، ولكنَّا نقتصر في تلك القواعد على أمات الفوائد ومهمات الزوائد خشية الإطالة وإدخال الملل على القارئين، والله المستعان.

- استروحت إلى شرح كلام الشيخ وما تضمنه من أدلة: بكلام العلماء من المفسرين، والشراح، وكثيرًا ما أنقل من كلام الشيخ على الفقرة المعيَّنة أو الدليل ما فيه زيادة إيضاح.

- عند النقل عن العلماء: تارة أُثبت مضمون الكلام وأشير إلى المرجع في الحاشية، وتارة أنقل الكلام بنصه، وقد أتصرف فيه ليتناسب مع البحث بما لا يخل بالمقصود.

- نقلت من كتب كثيرة متعدِّدة الطبعات، مثلا: فتح الباري وتفسير ابن كثير والقرطبي، رجعت إلى أكثر من طبعة. وقولي في الحاشية: قواعد ابن القيم، أعني به: جمع الجزائري، تقديم الشيخ بكر أبو زيد، المطبوع بدار ابن عفان. وحيث قلتُ في الحاشية: انظر مصطلح كذا، فأعني فهرس المصطلحات في هذا الكتاب.

- اختصرتُ في حواشي كثيرٍ من المسائل الفقهية فذكرتُ مراجع المسألة وما فيها من نُقُول أو اعتراض وجوابه ونحوه في آخر المسألة وذلك لتخفيف الحواشي فإنَّها كثرت جدًّا.

حول العنوان

     القواعد والأصول

سمَّى المصنف كتابه بـ: القواعد والأصول الجامعة، فعطف (الأصول) على (القواعد) وجمعهما في وصف: الجمع لما تفرَّق، فهل هو من عطف المترادف أو المتباين؟!

الشَّيخُ رحمه الله يصدِّر جميع ما ذكره في كتابه بعنوان: القاعدة، معقِّبًا برقمها فيقول مثلا: القاعدة الأولى، القاعدة العاشرة، وربما اكتفى برقْمِها كما قال: الثَّانية، الثَّامنة.

ثمَّ في الشَّرح يعبِّر أحيانًا بالأصْل فيقول: هذا الأصل ... الخ، ويكتفي كثيرًا بالتعبير بالقاعدة ولا يعبِّر بالأصل!.

وبالتتبُّع ظهَرَ سرٌّ لطيفٌ ونكتةٌ دقيقةٌ لإطلاق المصنِّف لفظَ الأصل على بعض القواعد، هو بعينه ما ظهرَ لنا من خلال النَّظر في استعمال شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيِّم لِـلَفْظِ: الأصل، تعبيرًا عن القاعدة.

وقبل أن أذْكره لابدَّ أن أذكرَ مقدِّمتين مهمَّتين:

المقدِّمة الأُولى: أنَّ التعبير عن القواعد الفقهية بـ(الأصول) قديمٌ، بل أوَّل ما نعلمُ من مصنَّفات هذا الفنّ هو كتاب: الأصول لأبي الحسن الكرخي الحنفي المتوفى سنة 340 هـ، وتبعه على هذا التعبير جماعةٌ من الحنفيَّة وغيرهم، كأبي زيد الدَّبوسي الحنفي المتوفى (430 هـ) والنووي الشَّافعي حيث عبَّر عن القواعد بـ(الأصول) في رسالته: الأصول والضَّوابط.

المقدِّمة الثَّانية: أنَّ الأصل يُستعمل لمعانٍ مختلفة([38]):

منها: الدَّليل الذي يصحُّ الاستناد إليه لإثباتِ الأحكَام الشَّرعية كقولهم: تجبُ قراءة الفاتحة في الصَّلاة والأصْلُ في ذلك قوله ﷺ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.

ومنها: المسْتَصحَب: وهو الحُكم الثَّابت بدليلٍ، الذي يُعمل على استِصْحَابِه حتَّى يردُ ما يقتضي تغييرَه، كما سيأتي تفصيله في القاعدة (11).

ومنها: المقيس عليه: وهو أحدُ أركان القياس.

ومنها: استعمالُه مُرادفًا للقاعدة الفقهية كما سَبَق في المقدمة الأولى.

وبعد هذا نعودُ إلى ما أردنا التنبيه عليه وحاصله: أنَّ القاعدة الفقهية كلَّما كانت قضيَّة كليَّةً متفقًا عليها كالقواعد الأساسية الثابتة بالأدلة المتكاثرة، أو كانت دونها في العِظَم وكثْرَة الفروع لكنَّها صحيحة ثابتة بأدلَّتها، ويعوِّل عليها الفقهاءُ كثيرًا فإنَّه يغلبُ على الشَّيخ أنْ يعبِّر عنها ـ ومن أشرْنَا إليه أيضًا ـ بكونها : أصلًا، لقوَّتها وإمكان الرُّجوع إليها والإستناد إليها واعتبارها أصْلًا يُبنى عليه، ودليلًا حَكَما، لتضمُّنها للدَّليل وإشارتها الواضحة إليه.

بخلافِ القواعد الفقهيَّة التي يكثُر الخلاف فيها، أو هي بمثابة ضوابط فقهيَّة؛ فكثيرًا ما يُكتَفى بالتعبير عنها بـ قاعدة، وذلك لكثرَة الخلاف فيها، وبنائها على أدلَّة متنازَع فيها، أو لكونها مُستنبطةً، استقرائيَّةً.

وهذا التفريق جيِّد وعميق لُوحظ فيه أحَد المعاني السَّابقة للأصْل.

وبه يظهَر فضلُ وأهميَّة بعض القواعد الفقهيَّة على بعض، والله أعلم.

نعم؛ الشَّيخ قد استعمل لفظَ (الأصل) لثلاثة من المعاني المذكورة آنفا في كتابه هذا، وهي:

- القاعدة المستمرة، وذلك في القاعدة الثالثة.

- ما يُبنى عليه غيره، أو ما يتفرَّع عنهُ غيرُه، وذلك في القاعدة الخامسة.

- المستصحب، وذلك في (ق 6 ، 11).

   الفروق

الفروق: جمع فَرْق، وهو: التمييز بين شيئين فأكثر، والفَصْل بينهما، ومنه: الفاروق، والفرقان، قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} لأنه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلالة، وقال: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41]  لأن الله  فرَّق فيه بين الحق والباطل، ومنه قوله تعالى: {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}.

والفرق الفقهي: ظهور وصف مناسب للحكم يوجد في الأصل لا الفرع أو العكس. ويتخصَّص في بيان النظائر المتشابهة في التصوير المختلفة في الحكم.

ويُعدُّ هذا العلم مقابلًا لعلم القواعد والنظائر الفقهية.

قال الزَّركشي رحمه الله: الفقه أنواع: ثم قال: الثاني: معرفة الجمْع والفَرْق، وعليه جلُّ مناظرات السَّلف، حتى قال بعضُهم: الفقه: فَرْق وجمع، ومِن أحسن ما صُنِّف فيه كتاب الشيخ أبي محمد الجويني، وأبي الخير بن جماعة المقدسي، وكل فرْق بين مسألتين مؤثِّر ما لم يغلب على الظن أنَّ الجامع أظهر([39]).

وهذا العلم مهمٌّ، وأصله مستمد من الكتاب والسنة، كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] ، وكم في السنة من التفريق بين بعض المتشابهات كالتفريق بين بولي الصبي والصبيَّة، وسبق أثر عمر رضي الله عنه في رسالته إلى أبي موسى، قال السيوطي في شرحه في مقدمة أشباهه: وفي قوله: (فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق) إشارة إلى: أنَّ مِن النظائر ما يخالف نظائرَه في الحُكم لمدْرَك خاصٍّ به، وهو الفنُّ المسمَّى بـ : الفروق، الذي يُذكر فيه الفَرْق بين النظائر المتحدَة تصويرًا ومعنى، المختلفة حُكمًا وعلَّة.

وصنَّفوا في الفروق اللغوية والفقهية وغيرها مؤلفات كثيرة، وممن ألَّف في الفروق الفقهية: الكرابيسي، والجويني، والإسنوي.

وخصَّص بعضُ المؤلفين في القواعد الفقهية فصلًا يتحدَّث فيه عن الفروق كالسيوطي، وابن نجيم، وهكذا المؤلِّف العلامة السَّعدي رحمه الله.

     التقاسيم

إفراد الشَّيخ رحمه الله التقاسيم على حدة وفصله عن القواعد يفيد أنَّ التقاسيم لا تدخُل تحت ضابط القواعد وموضوعها. والأمر كذلك.

قال السُّبكي رحمه الله: ومن الناس مَن يدخل في القواعد تقاسيم تقعُ في الفروع يذكرها أصحابُنا، حيث يتردَّد الذهن فهي ذات أقسام كثيرة، ولا تعلُّق لهذا بالقواعد رأسًا، فقد أكثرَ منه الشيخ أبو حامد في الرونق ومُتابعُوه، ولكنْ أولئك لم يكن قصدهم ذكر القواعد؛ بل هذا النوع بخصوصه، فلا لوم عليهم وإنما اللوم على مَن يُدخل ذلك في القواعد، وأنَا أذكر لك يسيرًا من ذلك لتعرف ما أشير إليه([40]) ثم ذكر بعض الأمثلة دلَّل بها على أنَّ التقاسيم لا دخل لها بالقواعد الفقهية.

 

عناية الشيخ بالأصول والقواعد

عني الشيخ رحمه الله بفنِّ الأصول وفنِّ القَواعد عناية خاصَّة، وظهر أثر ذلك في تآليفه النافعة، وتصانيفه الجامعة، وأدنى اطلاع على مؤلفات الشيخ يجلي ذلك بوضوح.

فقد ألَّف في خصوص الأصول والقواعد مؤلفات شهيرة، ومنها: رسالة لطيفة في أصول الفقه، وطريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول، ومنظومة في القواعد وشرحها، وكتابنا هذا الذي نشرحه، وله تجريد قواعد ابن رجب، وصنَّف في جوامع الأخبار مصنَّفًا، وفي قواعد التفسير مؤلَّفًا.

وأكّد الشيخ كثيرًا على أهمية الأصول والقواعد، وكان يبني الفقه عليها.

قال رحمه الله في مقدمة كتابه الإرشاد: يحتوي على: أصول، وضوابط، وتقسيمات، تقرب أشتات المسائل، وتضمُّ النظائر والفوارق، وكثير من هذه الأجوبة يتناول أبوابًا من الفقه عديدة، وأصولًا تنبني عليها أحكام مفيدة، وتُعرّف القارئ مِن أيّ قاعدة أُخذت، وعلى أي أساس أُثبتت، وتوضِّح التعليلات والحِكَم، ولعل هذه الأمور أكثر فائدة مما في الأجوبة من التفصيلات الفقهية؛ لعموم نفعها وحسن موقعها.

ثمَّ قال: وأستطرد في الجواب بذكر الأشباه والنظائر لتحصل الفائدة الكثيرة، والأُنس بكثرة ما يدخل في الأصل والضابط.

وقال في آخره: وفيه من الأصول والضوابط وجمع المتفرّقات في موضع واحد وردّها إلى قاعدة جامعة: ما يهيءُ طالب العلم إلى الارتقاء إلى أعلى درجاته، من طريق مختصر سهل.

وقال رحمه الله في مقدمة كتابه طريق الوصول: ومعلوم أنَّ الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان، والأصول للأشجار، لا ثبات لها إلا بها، والأصول تبنى عليها الفروع، والفروع تثبت وتتقوَّى بالأصول.

وبالقواعد والأصول يثبُت العلم ويقْوى،  وينمى نماء مطَّردًا، وبها تُعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيرًا، كما أنها تجمع النظائر والأشباه التي من جمال العلم جمعُها، ولها مِن الفوائد الكثيرة غير ما ذكرناه.

وأرْجَع رحمه الله أهميَّة كتب شيخ الإسلام وتفوّقها على غيرها إلى العناية بالأصول والكليَّات، فقال: فإنَّ كتب الإمام الكبير شيخ الإسلام جمعت علوم الأصول والفروع، وجمعت بين علوم العقل والنقل، وبين المقاصد والوسائل، وبين المسائل والدلائل، وبين الأحكام وبين حِكَمها وأسرارها، وامتازت على جميع الكتب المصنفة بغزارة علمها، وقوته، ومن أعظم ما فاقت به غيرها وأهمّه وتفرَّدت به على ما سواها: أنَّ مؤلفها رحمه الله يعتني غاية الاعتناء بالتنبيه على القواعد الكلية والأصول الجامعة والضوابط المحيطة في كلِّ فنِّ من الفنون.

 

منهج الشيخ في الشرح

- أحيانًا يصدِّر الشيخ الشَّرح بالمعنى الإجمالي للقاعدة وذلك حيث يرى أن القاعدة تحتاج إلى مزيد إيضاح، ثم يثني بالتطبيقات والأمثلة.

وقد يؤخِّر المعنى الإجمالي في أثناء الشرح ويصدّر بأدلة القاعدة.

وربما دخل مباشرة في ذكر الأمثلة، وذلك حيث يرى أنَّ القاعدة لا تحتاج إلى مزيد إيضاح، وفي الحقيقة المثال بمثابة الشرح لها، لاسيما والشيخ يُكثر مِن تطبيق القاعدة على المثال. وشرح أيّ قاعدة في أيّ فنِّ على مثال واضح مِن أدعى الأسباب لفهمها.

- يهتمُّ الشيخ كثيرًا بذِكْر أهميَّة القاعدة ومنزلتها ولو بالإشارة.

- قد يذكُر الشيخ بعض الصُّور والمسائل التي تدخل تحت القاعدة عَلى قولٍ تبعًا لمن ذَكَرهَا كابن رجب رحمه الله من باب توضيح القاعدة، وإن كان الشيخ لا يرى صحَّة المثال على الراجح عنده في المسألة، ولكنَّه أورده لما سبق من الإيضاح تبعًا لقَول مَن يرى صحة المثال.

وهذه الأمثلة ليست كثيرة في الكتاب بل قليلة، والغالب الأكثر أن ما يورده من مسائل وصور كتطبيقات للقاعدة مما هو موافق للقول الراجح عنده.

وإذا مثَّل بمَسألة من النَّمط الأول فإنَّه لا يجزم، بل يهرب من العهدة ويحيل صحة التمثيل بالمسألة المعينة على قول للفقهاء.

ومن أمثلة ذلك:

- قوله في القاعدة (2): (وفُسِّر قوله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12] يس: ١٢   أي نقْل خطاهم).

- وقوله في القاعدة (34): (إذا قُلنا: إنَّها كلها أصول كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد).

- وقوله في القاعدة (47): (ومَن نذر صلاة وأطلقها لم يصلها في جوف الكعبة عند المانعين للفريضة في الكعبة).

- قوله في القاعدة (48): (مثال ذلك: إذا اعتبرنا تطهير الماء المتنجس بإضافة الماء الكثير إليه).

- وقوله في القاعدة (50): (ومن ذلك: إذا قبلنا قول المرأة الثقة في الرضاع ترتب على ذلك انفساخ النكاح).

ومن هنا نستفيد فائدة: وهي أنَّه لا بأس بإيضاح القاعدة ببعض المسائل بناء على قول لبعض أهل العلم فيها وإنْ لم يكُن هو الرَّاجح في نظر الموضِّح.

ولا بأس أيضًا ببيان القول الراجح فيها تصريحًا أو تلميحًا في موضع التمثيل.

 

ترتيب القواعد المضمنة في هذا الكتاب

الغَالب في القواعد المذكُورة في هذا الكتاب أنها مستقلة عن القواعد الأخرى، ويُوجد فيه قواعد لها تعلُّق بغيرها، أو تلتقي مع غيرها في الوحدة الموضوعيَّة. ومعرفة هذا من المهمات لترتيب المعلومات، وهل وُضعت القواعد إلا لضمِّ النَّظير إلى نظيره!!.

فبعض القواعد:

- جزء من قاعدة أخرى . (ق1 ، ق33).

- أو متفرعة عنها. (ق3  ، ق4 ، ق40 ، ق48).

- أو تمثِّل قيدًا وتفصيلًا لقاعدة أخرى. (ق7، ق8، ق39).

- أو تلتقي مع قاعدة أخرى في وحدة موضوعية معيَّنة. كـأن تكون مع غيرها من قواعد الضمان المالي ـ مثلًا ـ.

وتفصيل هذا الإجمال فيما يلي:

أ - قواعد متفرِّعة عن قاعدة أصل:

- القاعدة الأولى (المصالح والمفاسد)، فإن القاعدة 33 وهي (تزاحم المصالح والمفاسد) جزء منها.

- القاعدة الثالثة (المشقة تجلب التيسر) يتفرَّع عنها القواعد التالية: القاعدة الرابعة (الواجب يتعلق بالاستطاعة) والقاعدة 28  (يقوم البدل مقام المبدل)، والقاعدة 40 وهي (الميسور لا يسقط بالمعسور).

- القاعدة 11 (اليقين لا يزال بالشك) يتفرع عنها القاعدة 6 وهي (الأصل في العبادات الحظر).

- القاعدة الثامنة وهي (الأحكام لا تتمُّ إلا باجتماع الشُّروط وانتفاء الموانع) يوضِّحها القاعدة السابعة (التكليف شرط لوجوب العبادات .. الخ). وكذا القاعدة التاسعة والثلاثون وهي (تقدم العبادات قبل شرط الوجوب... الخ).

ب - قواعد تلتقي في الوحدة الموضوعية، في بعضها توضيح وتفصيل وتبيين لبعض.

- قواعد في الدعاوى وهي إجمالا:

(القاعدة 10)   (القاعدة 52)   (القاعدة 26)   (القاعدة 37)   (القاعدة 43).

-  قواعد في العقود والمعاملات:

(القاعدة 12)   (القاعدة 19)  (القاعدة 22 ـ 23)   (القاعدة 54)   (القاعدة 42)  (القاعدة 44)   (القاعدة 45)    (القاعدة 51)    (القاعدة 53).

-  قواعد في الضمان المالي:

(القاعدة 13)  (القاعدة 14)  (القاعدة 18)  (القاعدة 35)  (القاعدة 36).

-  قواعد الناطقين:

(القاعدة 29)  (القاعدة 55)  (القاعدة 57).

- وهناك أربع قواعد أصولية أدرجها المؤلف ضمن كتابه هذا وهي:

(القاعد 38)  (القاعدة 58)  (القاعدة 59)  (القاعدة 60).

وهذه القواعد في الحقيقة من القواعد المشتركة بين العِلْمين.

وسائر القواعد تُعتبر قواعد مستقلَّة عن غيرها كما يتضح عند دراستها.

 

مقدمة المؤلف

الحمدُ لله نَحمَدُهُ، ونستَعينُهُ، ونسْتغفِرُهُ، ونتُوبُ إليْهِ، ونَعوذُ بالله منْ شُرورِ أنفُسنَا وسَيِّئَات أعمالنَا، مَن يهدِهِ اللهُ فهُو المهْتَدي، ومَن يُضْلل فَلا هَادي لَهُ، وأَشْهدُ أن لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، وأَشهَدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم تسليمًا.

أمَّا بعدُ:

فإنَّ معرفةَ جوامعِ الأحْكَام وفوارِقها مِن أهمِّ العُلوم وأكثرها فَائدة، وأعظَمها نفْعًا؛ لهذا جمعتُ في رسَالَتي هَذه مَا تيسَّر مِن جَوامع الأَحْكَام، وأُصولِها، وممَّا تفتَرقُ فيه الأحْكَام لافتِرَاقِ حِكَمها وعِلَلها، وقسَّمتُها قِسمَين:

القسم الأول: في ذِكْر مَا تجتمعُ فيه الأحْكَام من الأصُول، والقَواعِد، وانتقيتُ من القَواعِد المهمَّة والأُصُول الجامعة ستِّينَ قَاعدةً، وشرَحتُ كلَّ واحدة منها شَرحًا يوضِّحُ معناهَا، ومثَّلتُ لها من الأمثلة التي َتنبنِي عَليهَا ما تيسَّر.

والقسم الثاني: أتبعْتُ ذلك بذِكر الفَوارق بَين المسَائل المشْتَبهات، والأحْكَام المتقاربَات، والتَّقاسيم الصَّحيحة.

فأقول في القسْمِ الأوَّل مستعينًا بالله رَاجيًا منهُ الإعانَةَ والتَّسهيْل.



([1])  وإلى الله المشتكى من العَالَةِ السُّراق بإحسان!!، الغامطين! الكاتمين للفضائل بإتقان!!؟.

([2])  مقدمة  روضة المحبين.

([3])  انظر: مجموع الفتاوى (19/228 ـ 234، 311).

([4])  الموافقات (2/ 83 - 85) بتصرف.

([5])  مجموع الفتاوى (20/ 505).

([6])  انظر: القواعد النورانية (233)، والفروق (1/70 -71) ط دار السلام.

([7])  الفروق (1/71).

([8])  الذخيرة (1/ 36).

([9])  المجموع المذهب (1/11) المكتبة المكية.

([10]) قواعد ابن رجب (1/4) دار ابن عفان.

([11])  التحبير شرح التحرير (8/ 3837).

([12])  المنثور (1/ 65).

([13])  الأشباه والنظائر (1/8) دار الكتب.

([14])  الأشباه والنظائر (1/20).

([15])  المدخل (2/929).

([16])  انظر: مجموع الفتاوى (13/158).

([17])  طرح التثريب (4/ 15).

([18])  فتح الباري (6/ 65).

([19])  مجموع الفتاوى (9/235).

([20])  منهاج السنة النبوية (5/139ـ140).

([21])  مجموع الفتاوى (19/ 280 ـ 282).

([22])  الموافقات (5/ 14).

([23])  علقه البخاري تحت باب الشروط في المهر، وانظر الفتح عند رقم (2721) و(5151).

([24])  الأشباه (1/9).

([25])  مجموع الفتاوى (19 / 203).

([26])  مجموع الفتاوى (22/67).

([27])  مجموع الفتاوى (2/466).

([28])  شرح مسلم عند حديث (1968).

([29])  انظر: الفروق (1/70 -71) ط دار السلام، والقواعد النورانية (233).

([30])  سيأتي تخريجه عند القاعدة المذكورة من الشرح.

([31])  سيأتي تخريجه عند القاعدة المذكورة من الشرح.

([32])  إعلام الموقعين (2/ 252).

([33])  إعلام الموقعين (3/ 11).

([34])  إعلام الموقعين (2/ 226).

([35])  فضل علم السلف على علم الخلف (47).

([36])  المدخل المفصل إلى مذهب أحمد (2/932).

([37])  مثل قاعدة (1)، و (2)، و (5) و (6)، (58) والقواعد الأساسية الخمس المعلومة.

[38]) سيأتي ذكر هذه المعاني بأوسع في مفردات القاعدة الثالثة.

([39])  المنثور (1/ 69).

([40])  الأشباه والنظائر (2/ 306).

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح