العودة للخلف

5) الناقض الرابع

تاريخ النشر: 04 / 10 / 2026
: 4

الناقض الرابع

مَن اعتقد أنَّ غير هدْي النبي ﷺ أكمل من هديه أو أنَّ حكمَ غيره أحسَن مِن حُكمه، كالذي يفضّل حُكم الطواغيت على حُكمه فهو كافر

شرح الناقض الرابع

يَنبغي العناية بفهم هذا الناقض، فإنَّ كثيرًا مِن الغالطين الضُّلال فتحُوا بابَ التكفير لجهَلة المسلمين مِن قِبَله، فكفَّروا الحكَّام، وكفَّروا مَن لم يكفِّرْهم مِن المحكومين!، في جهالات وظلمات بعضها فوق بعض، فلابدَّ مِن الفهم لمقصُود هذا الناقض حتى لا يَلتبس الحق بالباطل.

قوله: (اعتقد): أي بقلبه، والعقد هو الإحكام والشد. أي الحكم الجازم بدون شك.

وقوله: (مَن اعتقد): فيه عموم فيَشمل: مَن اعتقد أنّ حكمَ غير الله أحسن وأفضل، مِن حاكِمٍ بالطاغوت ومتحاكِمٍ إلى الطاغوت.

وقد أمر الله الحاكمَ والمحكومَ بالتزام حكم الله وشرْعه ودينه، قال الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } [النساء:58].

هذا في الحاكم، وقال في شأنِ المتحاكِمِين: { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } [الشورى:10].

وقوله: (هدْي النبيّ): الهدي أي الطريقة يُقال: فلان حسَن الهدي أي الطريقة والسِّيرة والمذهب. وفي الحديث: «وخير الهدى هدى محمد» ضُبط بـ: هَدْي، وهُدَى. أي دلالته وإرشاده وتعليمه وحكمه وشرعه.

وحاصل المعنى: مَن اعتقد وجود دِين وهُدى وطريقة وشِرعة ودِلالة أكمَل من الشريعة والدِّين الذي جاء به الرَّسول ﷺ فقد نقضَ إسلامَه.

وقوله: (أكمَل مِن هَديه): أي: يفضِّل طريقة غير الرسُول على طريقة الرسُول وسُنّته، كائنًا مَن كان هذا الغير.

وكذا لو اعتقد: أنَّ طريقةَ غيره كطريقته، يُمكن أنْ يَسير عليها البشر وأنها تُصلحهم، فهذا كفر بالله العظيم وردة عن الإسلام.

والواجب على المسلم مع هدي الرسول ﷺ:

أولا: القبول والإذعان وتمام الانقياد وغاية المحبة والاقتداء وحسن الاتباع والتأسّي، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]، وقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا } [الأحزاب:36]، وقال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].

ثانيا: والواجب أيضًا اعتقاد أنه لا يُصلح البشرَ إلا هديه ﷺ وغير ذلك فيه فساد الخليقة، كما قال تعالى: { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ } [المؤمنون:71]، وقال النبيُّ ﷺ: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ»([1]). فالتولي عنها زيغ، وفي حديث جابر في الصحيح أنه أيضًا ضلال مبين([2]).

وقال ﷺ([3]): «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».

وذلك أنَّ طريقته ﷺ وهديه مِن عند الله قال تعالى: { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } [النجم:3ـ 4]، والذي أنزل عليه الكتاب والحكمة: هو الخالق العالم بما يصلح عباده، وطريقة غيره لا تعدو أنْ تكونَ مِن زبالة أذهان البشر المتعارضة القاصرة.

ومَن استبدلَ هدي النبيّ ﷺ وطريقتَه: بطريقة غيره فقد رضي لنفسه بالذلّ والهوان والصَّغار في الدنيا، وبالنار يوم القيامة. فعن ابن عمر رضي الله عنه إن النبي ﷺ قال: «بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ الله لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» رواه الإمام أحمد([4]).

وقال ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُ الـجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ أَبَى» قَالُوا: وَمَنْ يَأْبَى؟ يَا رَسُولَ الله؛ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى»([5]).

وقوله: (حكم الطواغيت): دخل فيه مَن يحكُم بين الناس حكمًا عامًّا بالأعراف والأسلاف المخالفة لحكم الله تعالى، وكذا الحكم بالقوانين المخالفة لحكم الله المُتخَذة مكان الشريعة بدلا عنها، المُنزَّلة منزلتها.

قال شيخ الإسلام  رحمه الله : «مَن جعل إلى الله طريقًا غير متابعة الرسول ﷺ للخاصَّة والعامة: فهو كافر بالله ورسوله، مثل مَن يزعم أنَّ مِن خواص الأولياء أو العلماء أو الفلاسفة أو أهل الكلام أو الملوك مَن له طريق إلى الله تعالى غير متابعة رسوله ﷺ.

ويذكرون في ذلك من الأحاديث المفتراة ما هو أعظم الكفر والكذب. كقول بعضهم: إنَّ الرسول ﷺ استأذن على أهل الصُّفة فقالوا: اذهب إلى مَن أنت رسول إليه؟!.

مثل احتجاج بعضهم بقصة الخضر وموسى عليه السلام، على أنَّ مِن الأولياء مَن يَستغني عن محمَّد ﷺ كما استغنى الخضر عن موسى، وأمثال هذه الأمور التي كثرت في كثير من المنتسبين إلى الزهد والفقر والتصوف والكلام والتفلسف.

وكُفر هؤلاء قد يكون مِن جنس كُفر اليهود والنصارى وقد يكون أعظم وقد يكون أخفّ بحسب أحوالهم»([6]).

وقال  رحمه الله : «ومَن ادعى أنَّ مِن الأولياء الذين بلغتْهم رسالةُ محمَّد ﷺ مَن له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمَّد ﷺ، فهذا كافر مُلحد.

وإذا قال: أنا مُحتاج إلى محمَّد في عِلم الظاهر دُون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون عِلم الحقيقة؛ فهو شرٌّ من اليهود والنصارى الذين قالوا: إنَّ محمدًا رسول إلى الأميين دون أهل الكتاب»([7]).

وقال شيخُ الإسلام  رحمه الله : «فإن ظنَّ أنَّ غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه أو أنَّ مِن الأولياء مَن يسَعُه الخروج عن شريعة محمَّد ﷺ كما وَسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام ، فهذا كافر يجب قتله بعد استتابته؛ لأنَّ موسى عليه السلام لم تكن دعوته عامَّة ولم يكن يجب على الخضر اتباع موسى -عليهما السلام- بل قال الخضر لموسى: إني على عِلم مِن الله علَّمنيه الله لا تعلمُه، وأنت على علم مِن الله لا أعلمه.

فأمَّا محمّد بن عبدالله بن عبد المطلب فهو رسولُ الله ﷺ إلى جميع الثقلين: الجنّ والإنس: عربهم وعجمهم، دانيهم وقاصيهم، ملوكهم ورعيَّتهم، زُهّادهم وغير زهادهم. قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ:28]، وقال تعالى: { قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [الأعراف:158].

وهو خاتمُ الرُّسل ليس بعده نبي يُنتظر ولا كتاب يُرتقب؛ بل هو آخِر الأنبياء والكتاب الذي أُنزل عليه مُصدّق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه.

فمَن اعتقد أنَّ لأَحدٍ من جميع الخَلق علمائهم وعبادهم وملوكهم خروجًا عن اتباعه وطاعته وأخْذ ما بُعث به من الكتاب والحكمة فهو كافر»([8]).

وقوله: (أو أنَّ حكمَ غيره أحسَن مِن حكمه) كذلك فهذا كفر وردّة، وكذا لو اعتقدَ جواز الحُكم بغير ما أنزل الله وأنه ما فيه بأس، وأنه يصلح للناس كشريعةِ الله. أو اعتقد أنه كحكمه.

قال شيخ الإسلام  رحمه الله : «لا ريب أنَّ مَن لم يَعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمَن استحلَّ أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلًا مِن غَير اتباع لما أنزلَ الله فهو كافر، فإنه مَا من أمَّة إلا وهي تأمُر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرُهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم يُنزلها الله سبحانه وتعالى، كسوالف البادية، وكأوامر المُطاعين فيهم، ويرَون أنَّ هذا هو الذي يَنبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر، فإنَّ كثيرًا من الناس أسلمُوا، ولكن مع هذا لا يَحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون!، فهؤلاء إذا عَرفوا أنه لا يجوزُ الحُكم إلا بما أنزل الله فلمْ يَلتزموا ذلك، بل استحلُّوا أن يحكُمُوا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، إلا إنْ كانوا جهالًا.

وقد أمرَ الله المُسلمين كلهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول، فقال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [النساء 59]. وقال تعالى: { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } [الشورى 10].

وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء 65]. فمَن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن.

وأمَّا مَن كان مُلتزمًا لحُكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، لكن عَصى واتبعَ هواه، فهذا بمنزلة أمثالِه مِن العُصاة.

وهذه الآية ممَّا يحتجُّ بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يَحكُمون بما أنزل الله، ثمَّ يزعُمون أنَّ اعتقادهم هو حكم الله، وقد تكلَّم الناس بما يطول ذكره هنا، وما ذكرته يدلُّ عليه سياق الآية.

والمقصود أنَّ الحكمَ بالعدل واجب مطلقًا، في كلِّ زمان ومكان على كل أحد ولكل أحد، والحكم بما أنزل الله على محمد ﷺ هو عدل خاص، وهو أكمل أنواع العدل وأحسنها، والحكم به واجب على النبي ﷺ وكل مَن اتبعه، ومَن لم يَلتزم حكمَ الله ورسوله فهو كافر.

وهذا واجب على الأمة في كلِّ ما تنازعَتْ فيه من الأمور الاعتقادية والعمليَّة.

فالأمور المشتركة بين الأمة لا يحكّم فيها إلا الكتاب والسنة، ليس لأحدٍ أن يُلزم الناسَ بقول عالم ولا أمير ولا شيخ ولا مَلك.

ومَن اعتقد أنه يحكُم بين الناس بشيء من ذلك، ولا يحكُم بينهم بالكتاب والسنة فهو كافر، وحُكام المُسلمين يحكمون في الأمور المعيَّنة، لا يحكمون في الأمور الكُلّية، وإذا حكموا في المعيَّنات فعليهم أن يَحكموا بما في كتاب الله، فإن لم يكُن، فبما في سُنة رسول الله ﷺ فإنْ لم يَجدوا اجتهد الحاكمُ برأيه. وإذا حكمَ بعلم وعدل فإذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر كما ثبت ذلك في الصحيحين عن النبي ﷺ مِن وجهين»([9]).

وقول الشيخ: (كالذي يفضِّل حكمَ الطواغيت على حُكمه) الطواغيت جمع طاغوت وهو كلّ ما تجاوز به العبدُ حدَّه مِن معبودٍ أو مَتْبُوع أو مُطَاع.

والواجب على المسلم الكفر بالطاغوت، وبحُكْم الطاغوت، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا}  [النساء:60].

وقد نزلت في قوم تحاكموا إلى كاهن كان يَقضي بين اليهود، وقد ذكره شيخُنا  رحمه الله  في ”أسباب النزول“([10]).

فقولُه سبحانه: {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} أي هو شرط في الإيمان كقوله: { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [البقرة:265].

قال الشنقيطي  رحمه الله : «مفهوم الشرط أنّ مَن لم يكفر بالطاغوت؛ لم يَستمسك بالعروة الوثقى فهو بمعزل من الإيمان لأنَّ الإيمان هو العروة الوثقى والإيمان بالطاغوت يَستحيل اجتماعه مع الإيمان بالله»([11]).

وقوله: (على حكمه): وهذا ضلال مبين!، وجهل عظيم. قال الله تعالى: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } [المائدة:50].

وقال تعالى: { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ } [المائدة:49].

قال العلَّامة ابن باز  رحمه الله : «القارئ لهذه الآية والمتدبر لها يتبيَّن له أنّ الأمر بالتحاكم إلى ما أنزل الله، أكّد بمؤكدات ثمانية:

الأول: الأمر به في قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}.

الثاني: أن لا تكون أهواء الناس ورغباتهم مانعة من الحكم به بأي حال من الأحوال وذلك في قوله: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}.

الثالث: التحذير من عدم تحكيم شرع الله في القليل والكثير، والصغير والكبير، بقوله سبحانه: { وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ }

الرابع: أن التولّي عن حكم الله وعدم قبول شيء منه ذنب عظيم موجب للعقاب الأليم، قال تعالى: { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ }

الخامس: التحذير من الاغترار بكثرة المعرضين عن حكم الله، فإنَّ الشكور من عباد الله قليل، يقول تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ}.

السادس: وصف الحُكم بغير ما أنزل الله بأنه حكم الجاهلية، يقول سبحانه: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ }

السابع: تقرير المعنى العظيم بأنَّ حكم الله أحسن الأحكام وأعدلها، يقول عز وجل: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا}.

الثامن: أنَّ مقتضى اليقين هو العلم بأنَّ حكمَ الله هو خيرُ الأحكام وأكملها، وأتمّها وأعدلها، وأنَّ الواجب الانقياد له، مع الرِّضا والتسليم، يقول سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.

وهذه المعاني موجودة في آيات كثيرة في القرآن، وتدلُّ عليها أقوال الرسول ﷺ وأفعاله، فمِن ذلك:

- قوله سبحانه: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وقوله: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآية، وقوله:  {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } ([12]).

وقوله: (فهو كافر) أي الكفر الأكبر المخرج من الملة.

فكلّ مَن استحلَّ الحكم بغير ما أنزل الله أو جوَّزه أو فضَّله على حُكم الله أو سوَّاه به، فهو كافر، وهذا بإجماع من أهل العلم.

وذلك لأدلة كثيرة منها:

1- أنَّ ذلك نقض لشهادة أنَّ محمدًا رسول الله، لأنها تقتضي متابعته في كل شيء في طريقته وهَدْيه وحُكمه وألا يُعبد الله إلا بما شرع.

2- أن ذلك تكذيب للقرآن الذي بيَّن أنَّ أحسن الحكم هو حكم الله قال تعالى: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }[المائدة:50]، ورسول الله ﷺ إنما يحكم بحكم الله كما قال تعالى: { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } [النساء:105].

3- أنَّ ذلك تكذيب للرسول ﷺ القائل كما في حديث جابر رضي الله عنه: «مَنْ يَهْدِهِ الله فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، إِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ الله، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ». وفي هذا المعنى أحاديث([13]).

4- أنَّ ذلك اتهام للشرع بالنقص وعدم الشمول وعدم صلاحيته لكلِّ زمان ومكان والله يقول: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [المائدة:3]، وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ:28]، وقال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85].

فمَن زعم أنَّ النَّاس يصلُح لهم غير هذا الدِّين، ويُصلحهم غير حكم الله ويُغنيهم عنه فقد أعظمَ على اللهِ الفِريةَ، وردَّ هذه الأدلة وما في معناها.

5- أنه استبدال للوحْي المُنزّل مِن عند الله، بوحْي الشيطان إلى أوليائه مِن البشر، قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } [الأنعام:112].

قال العلامة ابن باز  رحمه الله : «وقد أجمع العلماء على أنّ مَن زعم أنَّ حكم غير الله أحسن من حكم الله، أو أن هدي غير رسول الله ﷺ أحسن من هدي الرسول ﷺ فهو كافر، كما أجمعوا على أنَّ مَن زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج عن شريعة محمد ﷺ أو تحكيم غيرها فهو كافر ضال. وبما ذكرناه من الأدلة القرآنية، وإجماع أهل العلم: يُعلم أنَّ الذين يدعُون إلى الاشتراكية أو الشيوعية أو غيرهما من المذاهب الهدّامة المناقضة لحكم الإسلام، كفّار ضلّال، لأنهم ملاحدة لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يجوز أن يُجعل أحدٌ منهم خطيبًا وإمامًا في مسجد من مساجد المسلمين، ولا تصحّ الصلاة خلفهم، وكلّ مَن ساعدهم على ضلالهم، وحسَّن مَا يدعون إليه، وذم دعاةَ الإسلام ولَمزهم، فهو كافر ضال، حُكمه حكم الطائفة المُلحدة، التي سارَ في ركابها وأيَّدها في طلبها»([14]).

وينبغي أن يُعلم أنَّ طوائف من أهل الأهواء -كما ذكره شيخ الإسلام في كلامه المنقول عنه آنفًا- كفَّروا الحاكم والمحكوم من المسلمين، بدون تروٍّ أو هوادة، مستندين -زعموا- إلى هذا الناقض.

وهو -في حدِّ ذاته- خروج عمَّا أنزل الله وحُكم بغير حكمه، فإنَّ لأهل العلم تفصيلًا مهمًّـا يتعيَّن فهمه ليتميز الحق ويظهر الفهم الصواب، من الفهم الخاطئ الباطل.

قال ابن القيم  رحمه الله  في «المدارج»: «تأويل ابن عباس وعامَّة الصَّحابة في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44]، ليس بكُفر يَنقل عن المِلّة، بل إذا فعله فهو به كُفر، وليس كمَن كفَر بالله واليوم الآخر، وكذلك قال طاوس، وقال عطاء: هو كُفر دون كفر، وظُلم دون ظلم، وفِسق دُون فسق.

قال: ومنهم مَن تأوَّل الآيةَ على ترْك الحكم بما أنزل الله جاحدًا له، وهو قول عكرمة، وهو تأويل مرجوح، فإنَّ نفسَ جحوده كُفر، سواء حكم أو لم يحكُم.

ومنهم من تأولها: على ترك الحُكم بجميع ما أنزل الله، قال: ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام، وهذا تأويل عبد العزيز الكناني، وهو أيضًا بعيد، إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزّل، وهو يتناولُ تعطيل الحكم بجميعه وببعضه.

ومنهم مَن تأوَّلها: على الحكم بمخالفةِ النص، تعمّدًا مِن غير جهل به ولا خطأ في التأويل، حكاهُ البغوي.

ومنهم من تأوَّلها: على أهل الكتاب، وهو قول قتادة، والضحاك وغيرهما، وهو بعيد، وهو خلاف ظاهر اللفظ، فلا يُصار إليه.

ومنهم مَن جعله كُفرا ينقلُ عن الملَّة!.

والصحيح: أنَّ الحكمَ بغير ما أنزل الله يتناولُ الكُفرين، الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم:

- فإنَّه إنِ اعتقدَ وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدلَ عنه عصيانًا، مع اعترافه بأنه مُستحِقّ للعقوبة، فهذا كُفر أصغر.

- وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخيّر فيه، مع تيقّنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر.

- وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ، له حكم المخطئين»([15]).

وقال العلامة ابن باز  رحمه الله : «الحُكّام بغَير ما أنزل الله أقسام، تَختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم وأعمالهم:

- فمَن حكمَ بغير مَا أنزلَ اللهُ يرى أنَّ ذلك أحسن مِن شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين، وهكذا مَن يحكّم القوانين الوضعية بدلًا من شرع الله ويَرى أنَّ ذلك جائز، ولو قال: إنَّ تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر لكونه استحلَّ ما حرم الله.

- أما مَن حكمَ بغير ما أنزل اللهُ اتباعًا للهوى أو لِرشْوة أو لعَداوة بينه وبين المحكوم عليه أو لأسباب أخرى وهو يعلمُ أنه عاص لله بذلك وأنَّ الواجب عليه تحكيم شرع الله فهذا يُعتبر مِن أهل المعاصي والكبائر ويُعتبر قد أتى كفرًا أصغر وظلمًا أصغر وفِسقًا أصغَر كما جاء هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن طاوس وجماعة من السلف الصالح وهو المعروف عند أهل العلم. والله ولي التوفيق»([16]).



([1])  أخرجه أحمد (17142)، وابن ماجه (43)، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه، وبنحوه عن جابر في صحيح مسلم (1218) وفيه: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟».

([2])  أخرجه مسلم (1218) وفيه: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟».

([3])  أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما عن العرباض رضي الله عنه وهو في الجامع الصحيح (1/219).

([4])  صحيح ، وسبق.

([5])  أخرجه البخاري (7280) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([6])  «مجموع الفتاوى» (24/339 - 340).

([7])  «مجموع الفتاوى» (11/ 225).

([8])  مجموع الفتاوى (27/ 59).

([9])  «منهاج السنة النبوية» (5/131- 132).

([10]) «الصحيح المسند من أسباب النزول» 69 /الآية 60 من سورة النساء.

([11])  أضواء البيان 1/393 .

([12])  «مجموع فتاوى ابن باز» (1/ 76).

([13])  مسلم (867) (868)، وانظر: الجامع الصحيح لشيخنا الوادعي (1/324).

([14])  مجموع الفتاوى (1/269).

([15])  «مدارج السالكين» (1/345- 346).

([16])  «مجموع فتاوى ابن باز» (4/ 416).

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح