العودة للخلف

3) الناقض الثاني

تاريخ النشر: 21 / 09 / 2026
: 6

الناقض الثانـي

من جعل بينه وبين الله وسائط:

- يدعوهم

- ويسألهم الشفاعة

 - ويتوكل عليهم

* فقد كفر إجماعا

 

شرح الناقض الثانـي

هذا الناقض داخل في الأول وهو نوع منه وأفرده الشيخُ  رحمه الله  لكثرة الوقوع فيه، ولكثرة الشُّبه فيه فأفرده للاهتمام به.

قوله: (وسائط): جمع واسطة وهي ما يُتوصّل بها إلى الشيء. والوسائط عند المشركين نوعان:

- وسائط مباشرة ماثلة أمامهم، من الأولياء ونحوهم من الذين يشركون ويندِّدون بهم.

- غائبة مِن مقبور أو ما صوَّروه على صورة ما يَدعونه مِن دون الله من الأصنام والتماثيل.

وليس بين العباد وبين ربِّهم -سبحانه وبحمْده- واسطة في جلب المنافع ودفع المضار بحيث يدعونَهم، ويستغيثون بهم، ويستشفعون بهم على الله تعالى.

وقول الشيخ: (وسائط):

اعلم أنَّ الواسطة التي يتخذها الناس بينهم وبين الله:

1- إما في البيان والبلاغ وتعليم الأحكام والاقتداء:

- وهذه واسطة الرُّسل وسائر دُّعاة الحق من أتباعهم، وحاصلها: تبليغ الشرائع، وإعلام المكلَّفين بما يحبُّه الله وما يبغضه.

- وهذه الواسطة واجبة، بل مَن اعتقد أنه يَستغني عنها في التديُّن لله تعالى فهو كافر كما سيأتي في النواقض.

2- وإما وسائط يَدعونهم ويسألونهم الشفاعة ويَقصدونهم في حاجاتِهم وضَروراتهم كالنصر على الأعداء، أو مغفرة الذنوب، أو شفاء المريض، أو كشف الكروب، أو النجاة من النار ونحو ذلك.

وقول الشيخ  رحمه الله : (مَن جعَل):

هذا الجعْل -مِن هَذا المشرك- قد جمع فيه بين أنواع من الشرك، لأنه إمَّا:

1- أنْ يعتقدَ -حين يدعوهم ويسألهم الشفاعةَ ويتوكّل عليهم- أنَّ لهم تدبيرًا في هذا العالَم وأنَّ لهم تصرُّفًا وأنهم يضرُّون وينفعون وهو مع ذلك يتقرب إليهم بأنواع القُرب والعبادات مِن نذر وذَبح ودعاء، فهذا قد جمع بين الشِّرك في الربوبية والألوهية. وهذا أغلظ والعياذ بالله.

2- أنْ يعتقد أنَّ مَن يدعوه يَسمع دعاءه في كلِّ وقت، ويَطّلع على حاله، ويعلم بما نزل به من الضيق والكرب، فهذا أيضًا نوع مِن الشرك في الأسماء والصفات، حيث اعتقد اتصاف المخلوق بما هو من خصائص الله عز وجل من معاني أسمائه وصفاته، من سماع جميع الأصوات، وعلم الغيب، والإحاطة بأحوال المخلوقين.

3- أن يعتقد أنهم لا يخلُقون ولا يدبِّرون وليس لهم تصرّف استقلالي في العالم، ولكنه يَفعل مَا يفعله من الشرك: طلبًا للشفاعة، وتوسُّطا بهم، فهذا هو شِرك الأولين الذي بعثَ اللهُ نبيَّه ورسولَه لِقَطْعه، وإنكاره عليهم، وأمره أن يدعوهم إلى تركه، وإلى إفراد الله تعالى بالعبادة، وتحقيق التوحيد، وبيَّن لهم الرسول أنَّ هذا شرك عظيم وكُفْر مُبين، يوجب المقاتلة واستباحة الدّم في الدنيا، والخلود في النار في الآخرة.

كما قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [يونس:18].  وقال سبحانه: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } [الزُّمَر:3].

فبيَّن لـهم أنّ اللهَ لم يَجعل بينه وبين عباده واسطةً في الدُّعاء والتوكُّل بحيث يعلِّقون قلوبَهم بهم، بل أمرَهم أنْ يتوجَّهوا إلىه مباشرةً، ويدعونه دون من سواه. كما سيأتي في الأدلة قريبًا.

وقول الشيخ: (يدعوهم): ودعاؤهم إياهم عبادة لهم كما قال تعالى: { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ }[الأحقاف:5].

وهذا دليل على أنَّ مَن أتى مَن يزعُمه وليًّا حيًّا كان أو ميِّتًا ودعَاه أنْ يمنّ عليه بالعافية أو أنْ يرزقَه الولد ونحو ذلك فقد أشركَ بالله، وعبدَ غير الله.

وقد بيَّن أنَّ هذا النوع من الدُّعاء شركٌ أكبر قولُه تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ }[فاطر14].

وقوله: (يسألهم الشفاعة): كأنْ يقول للمقبور مثلًا: اشفع لي، اغفر لي، ونحو ذلك ويظنُّ أنه باستشفاعه به تُقضى حاجتُه من شفاء مريض أو ردِّ ضالة أو نصْرٍ على عدو وغير ذلك، وهذا سف

هٌ في العقل، وضلال مبين في الطلب والقصد.

والذي في قلوب المشركين أنَّ مَن يَدعونَهم: يَشفعون لهم عند الله، وهذا عَين الشرك عند الأولين، وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله، وأخبر سبحانه أنَّ الشفاعة كلها له وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ولا يشفع إلا لمن أذن أن يشفع فيه قال تعالى:  {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ }[سبأ:23].

والشفاعة شفاعتان:

الأولى: مُثبتَة: وهي شفاعة مَن أذن اللهُ له فيمَن رضيه ممَّن وحَّدَه وأخلَص له فلا بد من أمرين:

- الإذن للشافع لقوله تعالى: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } [البقرة:255].

- والرضى عن المشفوع له: لقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28]، ولا يرضى سبحانه إلا الإسلام، ولا يرضى إلا عن المسلم الموحِّد له. كما قال تعالى: { وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [المائدة:3]، وقال: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ}  [الزمر: 7].

الثانية: الشفاعة المنفية: وهي التي يطلبها المشركون.

فمَن دعا أحدًا مِن مَلك أو نبيٍّ أو وَليٍّ وغير هؤلاء من المقبورين ونحوهم وحجَّ إلى قبره، أو مَوضعه، ونذرَ له، وحلفَ به، وقرَّب له القرابين ليشفعَ له، لم يُغنِ ذلك عنه مِن الله شيئًا، وكان مِن أبعدِ الناس عن شفاعته وشفاعة غيره؛ فإنَّ الشفاعةَ إنما تكون لأهل توحيد الله، وإخلاص القلب والدِّين له، ومَن تولَّى أحدًا مِن دُون الله فهو مُشرك.

فهذا القول والعبادة الذي يقصدُ به المشركون الشفاعةَ يحرِّم عليهم الشفاعة! فالذين عبدوا الملائكةَ والأنبياء والأولياء والصالحين، ليَشفعوا لهم، كانت عبادتهم إياهم وإشراكهم بربِّهم، الذي به طلبوا شفاعتهم، به حُرِمُوا شفاعتهم، وعوقبوا بنقيض قصدهم؛ لأنهم أشركوا بالله ما لم ينزِّل به سُلطانًا.

قوله: (ويتوكَّل عليهم) التوكُّل: الاعتماد على الله تعالى وتفويض الأمر إليه في حصُول المطلوب وزوال المكروه. وهذه عبادة المؤمنين الموحِّدين، كما قال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة:23].

ومَن اعتمد على غير الله في ذلك، كمَن يَعتمد على الموتى والمقبورين والطواغيت في جلْب المنافع ودفع المضار فقد أشرك شركًا أكبر.

أما التوكيل فلَون آخر، فرْق بين التوكل والتوكيل، توكيل الحيّ القادر فيما يقدر عليه، هذا جائز، والكلام في التوكُّل على مخلوق في جلب المنافع وجلب المضار واعتقاد نفعه وشفاعته وتوسطه فهذا شرك، ولا تختلط إلا على أجهل الجاهلين!

وقوله: (فقد كفر إجماعًا): حكى الإجماع شيخُ الإسلام  رحمه الله .

قال  رحمه الله : «فمَن جعل الملائكةَ والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكَّل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم: غفران الذنب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات: فهو كافر بإجماع المسلمين»([1]).

وقول الشيخ  رحمه الله : (مَن): هذا فيه عموم، فيشمل كل مَن فعل هذا من المشركين الأولين ومَن تشبه بهم وسار على طريقتهم من المشركين الآخرين، وليست خاصىة بالأولين دون غيرهم.

بل كلّ مَن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكّل عليهم في قضاء حاجاته فقد كفر، وأشرك، والدليل عليه:

- قوله تعالى: { وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } [المؤمنون:117]، فذكر العموم أولا، ثم حكم عليهم بالكفر ونفى عنهم الفلاح.

- وقوله: { وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [فاطر:13، 14].

القطمير: هو قِشر يكون على ظهر النواة، يُضرب به المثل في الشيء الحقير، فهذا القليل الحقير لا يَملكونه!. فكيف بما هو أكبر منه!.

وقوله: { بِشِرْكِكُمْ }: هذا تصريح بأنَّ فعلَهم هذا شركٌ.

وقد بيَّن الله تعالى حقيقة شِركهم في كتابه:

- فقال: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [يونس:18].

- وقال سبحانه: { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } [الزُّمَر:3].

فحكم عليهم في الآيتين بالشرك والكفر. بل وجاءت صيغة المبالغة (كفار).

فعلى المسلم أن يعلمَ حقيقةَ التوحيد، وأن يعلمَ حقيقة شرك الأولين الذي كفَّرهم الله به وذمَّهم عليه، وبعث الرسول ليدعوهم إلى تركه، وإلى توحيد الله وطاعته.

ولابد من الحذَر من شبهات الذين يزيِّنون للناس هذا النوع من الشرك الأكبر بالله العظيم.

فإنَّهم يقولون: نحن لا ندعوهم لأنَّهم يخلُقُون ويَرزقون ولكن لهم منزلة عظيمة عند الله، ونحن مذنبون.

قال العلَّامة الصنعاني  رحمه الله : «مَن اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو مَلَكٍ أو جنيٍّ أو حيٍّ أو ميت أنَّه ينفع أو يضر، أو أنَّه يقرِّب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرَّد التشفُّع به والتوسُّل به إلى الرب تعالى، فإنَّه قد أشرك مع الله غيره، واعتقد ما لا يَحلُّ اعتقادُه، كما اعتقده المشركون في الأوثان»([2]).

وقال الإمام ابن القيم  رحمه الله : «ولكن أكثر الناس لا يَشعرون بدخول الواقع تحته، وتضمُّنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلَوا مِن قَبل ولم يُعقّبوا وارثًا، وهذا هو الذي يحولُ بين القلب وبين فهْم القرآن.

ولعمر الله إن كان أولئك قد خلَوا؛ فقد وَرِثهم مَن هو مثلُهم، أو شرٌّ منهم، أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك، ولكن الأمر كما قال عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: إنما تُنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام مَن لا يعرف الجاهلية.

وهذا لأنه إذا لم يَعرف الجاهلية والشرك، وما عابهُ القرآن وذمَّه: وقعَ فيه وأقره، ودعا إليه وصوَّبه وحسَّنه، وهو لا يَعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية، أو نظيره، أو شرّ منه، أو دونه، فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه، ويعود المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفَّر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدَّع بتجريد متابعة الرسول ومفارقة الأهواء والبدع، ومَن له بصيرة وقلْب حيّ يرى ذلك عيانًا، والله المستعان»([3]).

وكم في القرآن من الرد على هؤلاء:

- كما قال تعالى: { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } [النمل:62].

- وقال سبحانه: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [البقرة:186].

- وقال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن:18].

- وفي حديث وصية النبيّ لابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ الله وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ»([4]).

- وقال تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } [الأنبياء:29].

- وقال تعالى: { لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا } [النساء:172].

- وقال تعالى: { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى } [النجم:26].

- وقال تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } [الزمر:38].

منشأ هذا النوع من الشرك:

هذا الشرك والتوسُّط نشأَ من اعتقاد المشركين: أنَّ الله سبحانه لا يُسأل مباشرة بل لابد من واسطة تقرِّبهم إلى الله وتشفع لهم وترفع حوائجَهم لتُقضى لهم.

وهذا هو حقيقة شرك المشركين الأولين.

قال الله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }[يونس:18].

وقامت هذه الشُّبهة السَّاقطة في أنفسهم مِن تَشبيههم الخالق بالمخلوق الذي تتوسط الناس بالوسائط عنده لقضاء الحوائج.

قال شيخ الإسلام  رحمه الله ([5]): «مَن سِوى الأنبياء -مِن مشايخ العِلم والدِّين- مَن أثبتهم وسائطَ بين الرسول وأمته يبلِّغُونهم؛ ويُعلِّمونهم؛ ويؤدبونهم؛ ويقتدون بهم؛ فقد أصاب في ذلك.

وإن أثبتهم وسائطَ بين الله وبين خلقه -كالحُجَّاب الذين بين المَلِك ورعيَّته- بحيث يكونون:

- هُم يَرفعون إلى الله حوائج خلقِهِ؛ فالله إنما يَهدي عبادَه ويرزُقهم بتوسُّطهم؛ فالخلق يَسألونهم وهم يسألون الله؛ كما أنَّ الوسائط عند الملوك: يسألون الملوك الحوائج للناس؛ لقُربهم منهم والناس يسألونهم؛ أدبًا منهم أن يُباشِروا سُؤال الملك.

- أو لأنَّ طلَبهم من الوسائط أنفعُ لهم من طلبهم من الملك؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج.

فمَن أثبتهم وسائط على هذا الوجه: فهو كافر مُشرك يجب أنْ يُستتاب فإنْ تاب وإلا قتل.

وهؤلاء مشبِّهون لله تعالى شبَّهوا المخلوقَ بالخالق وجعلُوا لله أندادًا.

والوسائط التي بين الملوك وبين الناس: يكونون على أحد وجوه ثلاثة:

أولها: لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه.

ومَن قال: إنَّ الله لا يَعلم أحوالَ عباده حتى يخبرَه بتلك بعضُ الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم: فهو كافر ، بل هو -سبحانه- يعلمُ السرَّ وأخفى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات لا يشغله سَمْع عن سمع ولا تغلّطه المسائل، ولا يتبرّم بإلحاح الملحِّين.

الوجه الثانـي: أن يكون المَلِك عاجزًا عن تدبير رعيَّته ودفع أعدائه إلا بأعوان يُعينونه فلا بد له من أنصار وأعوان لذلِّه وعجزه.

والله -سبحانه- ليس له ظهير ولا وليّ مِن الذُّل. قال تعالى: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ }[سبأ:22]. وقال تعالى: { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا }[الإسراء:111].

وكل ما في الوجود من الأسباب: فهو خالقه وربه ومليكه، فهو الغَني عن كُلّ ما سواه وكلّ ما سِواه فقير إليه؛ بخلاف المُلوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم -في الحقيقة- شركاؤهم في الملك، والله تعالى: ليسَ له شريك في الملك بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

والوجه الثالث: أن يكون المَلك ليس مريدًا لنفع رعيته والإحسان إليهم ورحمتهم: إلا بمحرِّك يحرِّكه مِن خارج. فإذا خاطَب الملكَ مَن ينصحُه ويعظِّمه أو من يدِلُّ عليه؛ بحيث يكون يرجوه ويخافه: تحرّكت إرادة الملك وهِمّته في قضاء حوائج رعيته إما لما حصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير، وإمَّا لما يحصل مِن الرغبة أو الرهبة من كلام المدلّ عليه.

والله تعالى: هو ربُّ كل شيء ومليكه وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وكل الأشياء إنما تكون بمشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو إذا أجرى نفعَ العباد بعضهم على بعض: فجعَلَ هذا يُحسن إلى هذا ويَدعو له ويَشفع فيه ونحو ذلك: فهو الذي خلق ذلك كلَّه وهو الذي خلَق في قلبِ هذا المحسن الداعي الشافع إرادةَ الإحسان والدُّعاء والشفاعة، ولا يجوز أنْ يكون في الوجود مَن يُكرهه على خلاف مُراده أو يُعلِّمه ما لم يَكن يعلمُ أو مَن يرجوه الربّ ويَخافُه».

وقال الإمام ابنُ كثير عند الآية مِن أول الزمر: «{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} أي: فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد؛ ولهذا قال: { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العاملُ لله، وحده لا شريك له.

ثمَّ أخبر تعالى عن عُبَّاد الأصنام مِن المشركين أنهم يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} أي: إنما يَحملهم على عبادتهم لهم أنَّهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقرَّبين في زعمهم، فعبدوا تلك الصُّور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة؛ ليَشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم، وما يَنوبهم من أمر الدُّنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به.

قال قتادة، والسُّدي، ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد: {إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} أي: ليشفعوا لنا، ويقرِّبونا عنده منزلة.

ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجُّوا في جاهليتهم: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك).

وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بردِّها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأنَّ هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن اللهُ فيه ولا رَضي به، بل أبغضَه ونـهى عنه: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ }[النحل:36]. {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25].

وأخبر أنَّ الملائكةَ التي في السَّموات مِن المقربين وغيرهم، كلهم عبيد خاضعون لله، لا يَشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحَبّهُ الملوك وأَبَوْه، { فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ }[النحل:74] ، تعالى الله عن ذلك».

وقال العلامةُ السعدي  رحمه الله : «فلذلك لما أمر الله بالتوحيد والإخلاص، نهى عن الشرك به، وأخبر بذمِّ مَن أشرك به فقال: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} أي: يتولّونهم بعبادتهم ودعائهم، معتذرين عن أنفسهم وقائلين: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} أي: لترفع حوائجَنا لله، وتشفَع لنا عنده، وإلا فنحن نعلمُ أنها لا تخلق ولا ترزق، ولا تملك من الأمر شيئًا.

أي: فهؤلاء، قد تركُوا ما أمر اللهُ به من الإخلاص، وتجرأوا على أعظم المحرَّمات، وهو الشرك، وقاسُوا الذي ليس كمثله شيء، الملك العظيم، بالملوك، وزعموا بعقولهم الفاسدة ورأيهم السقيم، أنَّ الملوك كما أنه لا يُوصَل إليهم إلا بوُجَهاء، وشفعاء، ووزراء يرفعون إليهم حوائج رعاياهم، ويَستعطفونهم عليهم، ويُمهّدون لهم الأمر في ذلك، أن الله تعالى كذلك.

وهذا القياس من أفسدِ الأقيسة، وهو يتضمَّن التسوية بين الخالق والمخلوق، مع ثبوت الفرق العظيم، عقلًا ونقلًا وفطرة، فإنَّ الملوك إنما احتاجوا للوساطة بينهم وبين رعاياهم، لأنهم لا يَعلمون أحوالهم. فيحتاج من يعلمهم بأحوالهم، وربما لا يكون في قلوبهم رحمة لصاحب الحاجة، فيحتاج مَن يَستعطفهم عليه ويَسترحمهم لهم، ويحتاجون إلى الشفعاء والوزراء، ويخافون منهم، فيقضون حوائج من توسَّطوا لهم، مراعاة لهم، ومداراة لخواطرهم، وهم أيضًا فقراء، قد يمنعون لما يخشون من الفقر.

وأما الرَّب تعالى، فهو الذي أحاط عِلمُه بظواهر الأمور وبواطنها، الذي لا يحتاج مَن يخبره بأحوال رعيته وعباده، ويرفع مسائلهم إليه، وهو تعالى أرحم الراحمين، وأجود الأجودين، لا يحتاج إلى أحدٍ مِن خَلقه يجعله راحمًا لعباده، بل هو أرحم بهم مِن أنفسهم ووالديهم، وهو الذي يحثُّهم ويدعوهم إلى الأسباب التي يَنالون بها رحمته، وهو يريد مِن مصالحهم ما لا يريدونه لأنفسهم، وهو الغَني، الذي له الغِنى التامّ المُطلق، الذي لو اجتمع الخلْق مِن أوَّلهم وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلًّا منهم ما سألَ وتمنَّى، لم ينقصُوا مِن غناه شيئًا، ولم ينقصوا مما عنده، إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط.

وجميع الشفعاء يخافونه، فلا يَشفع منهم أحد إلا بإذنه، وله الشفاعة كلها.

فبهذه الفروق يُعلم جهل المشركين به، وسَفههم العظيم، وشدَّة جراءتهم عليه.

ويعلم أيضا الحكمة في كون الشِّرك لا يغفره الله تعالى، لأنه يتضمَّن القدح في الله تعالى، ولهذا قال حاكمًا بين الفريقين، المخلصين والمشركين، وفي ضمنه التهديد للمشركين-: { إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }

وقد عُلم أنّ حكمَه: أنَّ المؤمنين المخلِصين في جنات النعيم، ومَن يُشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار»([6]).

ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من القلوب:

قال الإمام ابن القيم([7]): «ومِن جَهل المشرك اعتقادُه أنَّ مَن اتخذه وليًّا أو شفيعًا أنه يشفع له، وينفعه عند الله، كما يكون خواصّ الملوك والولاة تنفع شفاعتهم من والاهم.

ولم يعلموا أنَّ الله:

- لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه.

- ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رَضيَ قوله وعمله.

كما قال تعالى في الفصل الأول: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ }[البقرة: 255]. وفي الفصل الثاني {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28].

- وبقي فصل ثالث، وهو: أنه لا يَرضى من القول والعمل إلا التوحيد، واتباع الرسول، وعن هاتين الكلمتين يسأل الأولين والآخرين، كما قال أبو العالية: كلمتان يُسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ .

فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرةَ الشرك مِن قَلب مَن وعاها وعقَلها:

- لا شفاعة إلا بإذنه.

- ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله.

 - ولا يرضى من القول والعمل إلا توحيده، واتباع رسوله، فالله تعالى لا يغفر شرك العادلين به غيره، كما قال تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1]. وأصح القولين: أنهم يَعدِلون به غيره في العبادة والموالاة والمحبة، كما في الآية الأخرى {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97- 98]. وكما في آية البقرة: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ }[البقرة: 165].

وترى المشرك يكذّب حالُه وعملُه قولَه، فإنه يقول: لا نحبُّهم كحبِّ الله، ولا نسوّيهم بالله، ثمَّ يغضب لهم ولحرماتهم -إذا انتهكت- أعظم مما يَغضب لله، ويستبشر بذكْرهم، ويتبشْبش به، سيما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم من إغاثة اللهفات، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات، وأنهم الباب بين الله وبين عباده، فإنَّك ترى المشرك يفرح ويُسَرّ ويَحنّ قلبه، وتهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة، وإذا ذكرْتَ له اللهَ وحدَه، وجرَّدْت توحيدَه لَحِقتْه وُحشةٌ، وضيق، وحرج ورماك بنقص الإلهية التي له، وربما عاداك.

رأينا والله منهم هذا عيانًا، ورمَونَا بعداوتهم، وبغَوا لنا الغوائل، والله مخزيهم في الدنيا والآخرة، ولم تكن حجَّتُهم إلا أن قالوا كما قال إخوانُهم: عابَ آلهتنا، فقال هؤلاء: تنقَّصْتُم مشايخنا، وأبواب حوائجنا إلى الله، وهكذا قال النصارى للنبي ، لما قال لهم: إنَّ المسيح عبد الله، قالوا: تنقصَّت المسيحَ وعِبته، وهكذا قال أشباه المشركين لمن منع اتخاذ القبور أوثانا تعبد، ومساجد تقصد، وأمر بزيارتها على الوجه الذي أذن الله فيه ورسوله، قالوا: تنقّصْتَ أصحابها.

فانظر إلى هذا التشابه بين قلوبهم، حتى كأنهم قد تواصَوا به {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17].

وقد قطعَ الله تعالى كلَّ الأسباب التي تعلَّق بها المشركون جميعًا، قطعًا يعلمُ من تأمَّله وعرَفه أنَّ مَن اتخذَ مِن دون الله وليًّا، أو شفيعًا، فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا وإنَّ أوهن البيوت لبَيت العنكبوت فقال تعالى: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ } {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } [سبأ: 22 - 23].

فالمشرك إنمـا يتخذُ معبودَه لِـمـا يَعتقد أنه يحصُل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا مـمَّن فيه خصلة من هذه الأربع إما: مَالك لما يُريده عِباده منه، فإن لم يكن مالكا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا له كان مُعينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده.

فنفى سبحانَه المراتب الأربع نفيًا مترتّبًا، متنقّلًا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى المِلك، والشِّركة، والمُظَاهَرة، والشَّفاعة، التي يظنُّها المشرك، وأثبت شفاعةً لا نصيبَ فيها لـمُشرك، وهي الشفاعة بإذنه.

فكفى بهذه الآية نورًا، وبرهانًا ونجاة، وتجريدًا للتوحيد، وقطعًا لأصول الشرك لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخُول الواقع تحته، وتضمّنه له، ويَظنّونه في نوع وفي قَوم قد خلَوا مِن قبل ولم يعقبوا وارثًا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن».



([1])  مجموع الفتاوى 1/124 .

([2])  تطهير الاعتقاد 61 .

([3])  مدارج السالكين» (1/ 351).

([4])  أحمد (1/ 293)، والترمذي (2516)، وهو في «الجامع الصحيح» (6/ 304).

([5])  «مجموع الفتاوى» (1/ 126-127).

([6])  تيسير الكريم 717 تفسير أول الزمر.

([7])  «مدارج السالكين» (1/ 349).

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح